الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سؤال الإبداع في «تنازلات» لسمر الزعبي

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

* د. عماد الضمور
لعلّ الحديث عن التجربة القصصية وما يتصل بها من موضوع أمرٌ ضروري للولوج إلى عالم القصة القصيرة ، إذ ما زال سؤال الإبداع هو المحرك الأساسي لكثير من التجارب الإبداعية في مجال القصة القصيرة والقالب المهم الذي تتشكّل من خلاله كثير من الأفكار.
ولما كانت القصة القصيرة في الأدب العربي نشأت لحاجة اجتماعية قبل أن تكون حاجة فنية، فإن معايشة الواقع ومعالجة قضاياه من أبرز دوافع كتابتها ، إذ ما زالت التغيّرات الاجتماعية والاقتصادية من أبرز المؤثرات في هذا الفن الإبداعي، وبخاصة في الفترة الأخيرة عندما ولدت القصة القصيرة جداً من رحم المتغيرات المعاصرة التي شهدها العالم في كافة مجالات الحياة.
ومجموعة» تنازلات» القصصية لسمر الزعبي تؤكد الإبداع الذي تحققه المرأة بوصفها قاصة ومفكرة ومبدعة معاً، وهي تؤكد ـ في الوقت نفسه ـ ظهور إبداع قصصي متزايد في هذه الفترة التي شهدت سيطرة بشكل عام للفن النثري القائم على السرد والوصف معاً.
إنّ الاحتفاء بوظيفة القصة القصيرة هو احتفاء بقيمة النص المسرود ووظيفة السارد في البوح حيناً والتصريح حيناً آخر، ذلك أن عبق القص منتزع من روح المجتمع وهموم ساكنيه. نقرأ في قصص سمر الزعبي روحاً شعبية لشخصيات واقعية هي جزء من نسيج المجتمع الأردني، ممّا سمح  للهجة العامية بالتسلل بين الحين والآخر في قصص الكاتبة ، كما في قصتي:» سواليف» و» غريم» التي تقول فيها:» أذكر تماماً أنّي تمنيت من «كلّ عقلي» أن تقيم لي حفل عيد ميلاد وطلبتُ منها بإلحاح، رغم أنّي صرت رجلاً وربّ أسرة عمره أربعة عشر عاماًُ»( تنازلات، ص62).
إنّ التعرّف إلى ماهيّة الخطاب في القصة القصيرة أمرّ ضروري لم تغفله القاصة في معظم قصصها، كما أنها في الوقت نفسه لم تُغفل كيفية تشكّل الخطاب بعدما عمدت إلى توظيف قدراتها الفنية في التقاط الفكرة وصياغتها برؤى فنية ذات وتيرة اتّصاليّة قادرة على إذكاء وتيرة التلقي وحمل المتلقي إلى معانقة مضمون قصصها.
سرد المرأة القاصة يبدو أكثر تكثيفاً وخلاصاً من قيود الآخر، إنّه أدب مغلّف بأنوثة خالصة، لكن باطنه عميق ومساربه متشعبة، لما يتوافر فيه من تقنيات مدهشة ورؤى فكرية ناضجة. فهو يتمخض عن خطاب معرفي عميق من نوع خاص، يضع تساؤلات متعددة تتجه من خارج جغرافيا الجسد، ونداءاته إلى العمق الإنساني الرحب.
تعي سمر الزعبي حدود القصة القصيرة فلم تنقاد إلى سرد مطوّل يبتعد بالقصة القصيرة عن كثافتها التعبيرية ورشاقتها الأسلوبية، ولم تُغرق في الوقت نفسه في الإيجاز والاقتصاد اللغوي لتصل إلى القصة القصيرة جداً.
هذا الوعي الفني الذي تميّزت به القاصة جعلها تُمسك بزمام القصة القصيرة وتمتلك أدواتها الفنية التي جعلت إبداعها يقع ضمن إبداع القصة القصيرة.
إنّ اعتماد القاصة على إبراز فنيّة القصة فيما تسرده جعلها تتحرك في قالب فني قادر على إبراز دراما القصة القصيرة في حوارات الشحوص وحركتها المستمرة وذلك بوضوح إحساس الكاتبة بقضايا المجتمع فضلاً عن وصف المشاعر وما يعتري النفس البشرية من حالات وانفعالات مختلفة ونجاح مستمد من منطق الأحداث وحركة الشخوص ضمن ممارسة فنية قادرة على إبراز جماليات القصة القصيرة ليس بوصفها وثيقة اجتماعية أو سياسية بل بوصفها جسداً ينبض برؤى المبدع وخياله الخصب. كما في قولها:» لبست ذهبها اللامع، الذي أنا به طامع، طلبتُ منها أن تتزين به، رغبةً منّي بشراء ما هو أجمل منه. حتى تتباهى بعريسها؛ أحضرت كلّ حليها، أخذتُ من يديها الأساور، أرتديها ثم الخواتم . فأتبعتها هي بالعقود ضاحكين على قعود، مظهري بالحليّ استفز من حولي لكنه أسعد قلبي»( تنازلات، ص 108).
وإذا كان الإنسان هو الموضوع الأساسي للأدب، فإن سمر الزعبي لم تغفل هذا الجانب في قصصها مستغلة رحابة الفن القصصي ، لذلك فإن الموقف الإنساني بفاعليته التعبيرية حاضر في قصص سمر الزعبي لتجعل من هذا الموقف قوة موجهة للنص القصصي ومقصدية المبدع كما في قصة» كبرتُ» التي تُبرز جانباً مهماً من الشخصية الساردة للأحداث ورغبتها في معانقة الحياة بأبعادها الإنسانية الرحبة.
السرد والوصف تقنيتان فنيتان حاضرتان في قصص سمر الزعبي وأحياناً تحتفي القاصة بأسلوب الحكاية ذات الطابع التراثي فتنهج نهج المقامة في تراكم الأحداث بسرد واقعي ومحسنات لغوية بديعية ذات اهتمام بالتراث الكتابي عند العرب كما في قصتها» المقامة الذهبية» حيث تقول :» طلّ الصباح، استيقظتُ منادياً أمّ رباح، أختي الوفية، تطلّ عليّ من العلية، تتفقدني كلّ صباحٍ وعشية. جاءتني بالفطور، تناولته كالمسحور، أطباقٌ شهية، تتسابق للمعدة مريّة.. أخبرتها أنّ لي صيدة طريّة، وجهُها كالبدر يُنسيك تقلبات الدهر»( تنازلات ص107). فالقاصة تُظهر قدرة حكائية واضحة تنهل من التراث السردي العربي بمخزونه الشعبي، وطرائقه في السرد، وذلك بمضمون قصصي معاصر وبيئة مناسبة للمتلقي.
لقد رسمت كاتبات القصة في الأردن لأنفسهن مساراً جمالياً وفنيّاً خاصاً، يتخصّص في الإحساس وينطلق منه بعيداً الرمز والفكر الفلسفي ، ممّا جعل السرد الأنثوي يمتاز بخصوصية واضحة تتشكّل من خلاله سماته ومفرداته ومضامينه، إذ تنزع إلى وصف معاناة الآخر في المجتمع وبحسّ إنساني عميق ممزوج بإنوثة المرأة وإحساسها بعيداً عن قضاياها الخاصة بل بما تشعر به المرأة من رغبة في إقامة مجتمع متماسك.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل