الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في «فلسفة البياض» للقاصة ناريمان أبو اسماعيل

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

* سعد الدين شاهين
منذ اطلالة القرن الواحد والعشرين بدأت القصة القصيرة تتخلص من نظامها الصارم الكلاسيكي في التوافق بين الزمان والمكان وحركة الشخوص كما تزحزحت حركة الشعر من العمودي الى التفعيلة والحر واخيرا النثر ليتم الالتقاء او التلاقي اللغوي بين القصة بمفهومها القديم والشعر في صورتين متقاربتين هما ما يسمى الان قصيدة النثر في عالم الشعر وما يطلق عليه القصة القصيرة جدا في عالم القص بقاسم مشترك بينهما في اللغة والتكثيف والصورة المبهرة والتحرر من الزمان والمكان والمناسبة وحين يتجشم القارئ كتابة نقدية او انطباعية نقدية عن عمل ابداعي هو لا يحمل قلما احمر ليقرر ما يجوز او لا يجوز وما يصح او لا يصح في رؤية الكاتب المبدع وانما ليجلي أمورا تأويلية من وجهة نظره كقارئ أولا ومحايد ثانيا يلتقط بذور النص ويرطب تربتها لتتخصب امام من يقع بين يديه عنوان الكتاب الادبي شعرا كان ام قصة ام رواية ويحرض الاخرين على قراءته وهذا في اعتقادي اهم دور يقوم به كاتب القراءات النقدية لأي عمل ابداعي وايضا أعتقد ان الذي يتجشم الكتابة لا يكتب الا اذا استفزه العمل الإبداعي نفسه للكتابة حوله سواء من حيث الموضوعات او من حيث البنية القصصية.
سقت هذه المقدمة التي وجدتها ضرورية بعد ان قرأت المجموعة القصصية المعنونة (فلسفة البياض) للقاصة ناريمان أبو اسماعيل وما وجدت بداخل كل قصة من قصصها اقصوصة اواقاصيص لو اجتزئت من القصة الام لوجدتها تلتقي مع مفهوم القصة القصيرة جدا حينا ومع قصيدة النثر احيانا لترسم صورة او تجلي فكرة.
فمثلا العبارات الموحية (موجز كالصمت ص85 (غاصت عيناه تفلي ارض الحديقة ص18) (المكان مشبع برائحة قلوب تحترق تحت نار خفية ص25) (الطفولة اوراق بعثرت تحت أقدام المارة ص25) (كشف عن الطفل فإذا به طفل رأسه لسان يداه مبتورتان يصرخ ولا يسمعه أحد ص30) وهذه الصورة السريالية الاخيرة في خاتمة القصة وما سبقها وما لم اذكره رغم رمزيتها واقترابها من اللوحات الفنية الا أنها تشاغل الشعر والأقصوصة القصيرة واللوحة في آن واحد معا وتجلي هم الانسان بكل فئاته وهم الوطن والغربة.
ومن المشاهد السريالية الموحية أيضا (أمسك أحدهم بكم معطفه داعيا اياها للرقص، اقترب من المنصة وراح يرقص، فرأى من حوله صخورا متحركة يذوب لشدة تصلبها خشب المنصة).
قصص ناريمان ابو اسماعيل في فلسفة البياض تبحث عن مكنونات فلسفية حينا واجتماعية واقعية حينا آخر، وفي كل قصة موضوع مختلف من المرأة وقضاياها الخاصة للطفولة والفقر لعباءات الحزن المتدثر بالفقد لحركة الشارع وايقاعاته وتنويعاتها العديدة فقد كتبت الحب والحلم والفرح والأمل والخيبات والحزن والنكبات.
( انا الغارقة بين الحلم ووهم الوطن ؟ لا شئ سوى الخيبة، فاللقاء والوداع توأمان فلا شئ في الأول ينتظرني ولا شئ في الآخر اتركه خلفي ) ص57 هذه عينة من خواتيم قصص القاصة التي تصلح ان تصبح ايقونات تتردد في كل مشابهات عند الشعور بالخيبة وقلة الأمل وتفيض بالبعد الفلسفي الذي يعشش في ذهن القارئ ليتخذه فيما بعد كمنصات للاستشهاد بها وليس من السهل نسيانها.
يكثر ذكر الحلم في قصص ناريمان وأنسنتها لمفردات الحلم ومجرياته فهي احيانا تصنع حلمها كما تشتهيه وكما تريده فالحلم موجود في حواراتها الداخلية وتساؤلاتها حتى وان لم تذكر كلمة حلم بحروفها الثلاثة بشكل صريح حتى الحلم نتمناه بصورة نريدها، وهذا في اعتقادي تمسك بالامل واقتحام لدياجير الخيبة واليأس الذي تفرضه المرحلة ليس على القاصة وحدها بل على غالبية كتاب الأدب الذين يعتبرون في الحلم استمرار وتشبث في الحياة بانتظار القادم الأفضل المأمول من كتاب هذا الجيل الذي يرى واحدهم الحياة غير ما هي عليه ويجب ان تكون.
المتأمل لشخوص قصص ناريمان يجدها شخوصا حنظلية تفلسف ادارة الظهر كموقف رافض يخبئ خلفه آمال وأحلام مجتمع الشارع والحارة والبيئة الشعبية، تدير ظهرها وتسير كما رسمها ناجي العلي في لوحاته، ففي كل قصة لا حول ولا قوة للبطل المتمني المغلوب على أمره اذ يدير ظهره ويمضي لتستمر الحياة وكأنها تريد ان تقول ان جدول الايام في هذه الحياة وفي هذه المرحلة لا أحد يستطيع تغيير مجراه أو أن الحكمة تقتضي ادارة الظهر والتغاضي قليلا من اجل امن الحياة واستمرارها، هذا ما استطعت التقاطه من فلسفة شخوص القاصة ناريمان ابو اسماعيل والأمثلة كثيرة.
ان تصادم الحالة النفسية مع الرؤيا الفلسفية لدى الكاتبة أشركتنا في الوقوف على الكثير من خبايا قصصها التي تنزع الى البعد الاجتماعي والعاطفي المغلف بالرمزية أحيانا لتضع القارئ في زاوية انفعالية مشابهة سواء في حالات الفرح أو الحزن أو اثارة حسه الوطني . مثل هذه السردية المؤثرة والمنعكسة من شاشة ذكريات الأديبة الكاتبة أو من أحلامها الكثيرة والتي هي أحلام سهلة ومشروعة لجميع الناس تجعلنا نقف أمام انسانة قد بدأت تجد نفسها في عالم بدأ يسير الى الأمام، و أناس هذا العالم لم تعد تشغلهم سردية قصصية أو قصيدة شعرية أو فصل روائي أكثر من فصول وأحداث هذا العالم من جهة وأكثر مما يثيره خبر او عبارة على صفحات التواصل الاجتماعي.
لذلك نجدها تهتم بالصورة في رسم كلماتها وعباراتها وتصور المشاهد لتبدو اكثر جذبا بخياله المجنح لتعبر بعبارات لها ملولاتها الموحية التي تضعنا فيها امام عوالم مثيرةلأسئلة كثيرة.
هل نحن فعلا ابناء هذا العصر وهذه المرحلة الذي تتهيأ فيها كل موجبات الحياة ونكاد لا نلمسها امام تضارب اللوحة بالواقع؟ هل كل ما خلقه الله محسوسا يمكن ان يتاح ويصبح محسوسا لأصحاب الحس الأدمي
نعرف ان النتائج غير مرضية وهي تشير للاجابات في معظم قصصها لذلك ليس عبثا تجعل أبطالها غالبا ما يشيحون بوجوههم ويولون الأدبار غير آبهين بنتائج ما يحصل.
هل الحزن العام يشكل تيارا جارفا يغرق فيه معظم شعرائنا وأدبائنا وروائيينا وقاصينا سعيا للخلاص وكحلٍ بديل؟ ام انزواء بلا ردة فعل وترئة للذات من الفعل القائم؟
هل الجنوح الى فلسفة الأشياء والمواقف وتفسيرها يغني عن السؤال ؟ ويعفي هذا العالم وهذا المجتمع من تبعاته نحو انسانه وبيئته؟
نلاحظ هنا ان القاصة من خلال اعتمادها قيم السرد الايجابية قد انتدبت نفسها بديلا لأبطال قصصها الذين فشلوا في تحقيق القيم الاجتماعية طبقا لكل قصة واستراتيجياتها في ظل وجود البطل نفسه متعارضا مع قيم المجتمع الجماعية فيؤثر ادارة الظهر او المغادرة بهدوء ليتوازى دور الساردة مع الاستراتيجية المضمرة والمخطط لها في كل قصة واجزم ان القاصة أفلحت في الكشف عن السياقات والتفاعلات الثقافية التي تحدد الهوية الثقافية للكاتبة من جهة، وهوية المجتمع الذي كتبته وجسدت قصصها فيه ولأجله, وجعلت منها احتفاء بالحياة وتنويعاتها وإشعاع ومضات الأمل بعد كل صحوة من حلم مر في أحلامه الكثيرة في غالبية قصصها.
ناريمان ابو اسماعيل تعتني برسم حركة شخوصها بلغة شفيفة تجعل القارئ يتعاطف مع الشخصية ويتقمص حزنها او فرحها او معاناتها لتترك له النهايات المفتوحة يقولبها كما يشاء ويهوى (هممت اللحاق به الا انه اختفى وسط الزحام ص14 قصة وسط الزحام).
(صمت الطفل وضحك ضحكةاودعها عبه وغاصت عيناه تفلي اعشاب الحديقة ص18 قصة حاكم جلاد).
وفي قصة الطوفان انسحاب مشابه اكثر خفة حيث سقطت حبات العلكة التي يغرضها للبيع وتناثرت على الارض تقول القاصة ( الا انه لن يسمع سوى نداء حبات العلكة المتناثرة أمامه جمعها واتحد معها في غيمة رمادية منتظرا طوفانا اسود ص26 )
وفي هذا ايضا دلالة على انسحاب العاجز امام الجبروت بهدوء دون مواجهة عنيفة فهي كاتبة الجمال الذي يسحر ويحوز او لا يحوز سلما لا عنفا.
وفي قصة ولادة مزج بين الفرح والحزن والخيببة وانهاء القصة بخاتمة سريالية توحي بأشياء واحتمالات كثيرة تعبيرا عن امتزاج كل المشاعر التي تعتمل داخلها في روخ ابطال قصتها التي أسست لها لتؤمن انسحابا امنا تختم بها قصتها وتحقق استراتيجية البصر المفتوح على كل شئ واليد القصيرة التي تعجز عن عمل اي شئ ويكون الانسحاب الامن والحزن الذي لا ينزع الى المواجهة بل بالحلم الامل وقليل من الخوف تقول ( أفزعته نظراتها فهرع الى غرفة زينب وكشف عن الطفل فإذا به طفل رأسه لسان.
يداه مبتورتان يصرخ ولا يسمعه احد ص30) كم هي قاسية هذه الخاتمة اذا احلناها الى تأويلاتها لمساسها بالحاضر والقاتم والمستقبل المجهول لامتنا وما يجري فيها.
قصص ناريمان ابو اسماعيل تتناول الواقع الاجتماعي بمرارة الفقر وجزع الخوف والم الفراق والحزن هي لا تحتاج الى نبش عن حالات قصصها لأنها موجودة فعلا بيننا لكن لا يلتفت اليها احد ففعلت بلغة سليمة موجزة وموحية تلامس لغة الشعر احيانا لرقة مفرداتها ورسم صور حالاتها لتجعلنا نعيش ونعايش الحالة ونتفاعل مع النمط الثقافي الذي أسست له و مكن القارئ من التدرج معها في متابعة الرؤية بأعين بسطاء الناس والسخط على التجرؤ على الانسانية في تعامل البشر مع بعضهم، فحين تصف ماسح الاحذية والزبون الذي يضع حذاءه في اعلى من رأس بطل القصة ليقول له حين يطلب تلميع حذائه بلا مقدمات .... (بدي اياها مراي ) اي مرآة، فيضطر للاجابة على راسي.. يا لقسوة المشهد ووقاحته..
ختاما اعترف انني وقعت على مجموعة قصصية طازجة وناضجة بنكهة الحياة التي تستحق ان نحياها بعد ان وضعتنا الكاتبة لنتلمس تناقضاتها وانفلاتاتها وهي تفر من بين أيدينا
دون مقدرة على اللحاق بها.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل