الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الفساد الفكري والثقافي

د. صلاح الدين أبو الرُّب

الأربعاء 9 آب / أغسطس 2017.
عدد المقالات: 72

تمعنت كثيرا بقول  رئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد الذي صدر مؤخرا ..(أن الفساد في الأردن مستويات أبرزها الفساد الأكبر، وهو المستوى الموجه إلى موارد الدولة، قد توقف، لكن التركيز اليوم على حل المشاكل في الفساد الأصغر (الرشوة) التي تتم لقاء تقديم الخدمة العامة.)...من الواضح هنا أن الحديث كان  عن زاوية من الصورة الكلية ، حيث تم إعتبار سرقة الأموال هي الفساد بعينه ، وهذا المفهوم يسري في الكثير من المؤسسات المشابهة في العالم العربي ، حيث يرى البعض بأن الفساد هو ما يختص بالمال فقط .
يعرف البعض الفساد بأنه ( السلوك غير الصحيح الذي يقوم به من له جانب من جوانب السلطة  تمكنه من الاستحواذ على المال بدون وجه حق ومن أشكال هذا  الفساد الرشوة و المحاباة و الواسطة و نهب المال العام و  الابتزاز)، وفي المقابل يرى البعض بأن هذه الحالات هي جرائم يحاسب عليها القانون بعقوبات محددة ، ولمحاربة هذه الظواهر ظهرت قوانين منها من اين لك هذا ، وإقرار الذمة المالية للمسؤولين الكبار، وتوسيع صلاحيات ديوان المحاسبة.
       وإن كان هذا الفساد يعتبره البعض من أخطر أنواع الفساد ، لكنه شكل من أشكاله فقط ، وهو بالتالي النتيجة النهائية للكثير من أشكال الفساد الأخرى التي يجب البحث فيها ودراستها  لمنع توسعها لتصل للمال العام .
             ان الفساد بمفهومه الواسع هو (السلوك الذي يقوم به الفرد أو المجموعات المنظمة أو غير المنظمة بقصد أو دون قصد ، ويؤدي بالتالي للعبث بأولويات المجتمع وإرثه وتقاليده الثقافية والاجتماعية والسياسية والفكرية والمالية والادارية ، إما  بادخال مفاهيم جديدة ضارة أو بمحاربة مفاهيم اصيلة مفيدة) ، فالفساد الإداري مثلا هو الطريق لتسريب أو ضياع المال باستغلال واضح للسلطة ، فتظهر هنا أشكال الواسطة والمحسوية ، حيث توجه الفائدة ومنها الوظائف  لمن لا يستحقها ، لعدم الأهلية أو لوجود الأصلح أو تجاوزا للدور، و يظهر مرافق لها هنا مبدأ أخر وهو تبادل المنفعة،أو السداد وكأنه دين ينتظر من الطرف الأخر ان يسدهإما عن طريق منفعة أخرى للطرف الأخر وتشمل ضمان التصويت لطرف يريده في أي انتخابات قادمة ، وهذا يشكل صورة من صور الفساد ، تحتاج لمراقبة وقوانين ناظمة تمنع التجاوزات وتحد من الخلل.
ومن أنواع الفساد  التي تشكل خطرا شديدا على المجتمع الفساد الفكري والثقافي ، وهو بوابة الكثير من انواع الفساد ، حيث يتم إدخال أفكار ومعلومات خاطئة ومفاهيم بعيدة عن ديننا وعاداتنا  وتقاليدنا ، للعبث في عقول الشباب والباحثين عن المعرفة ،والتي تؤدي الى إدخال مفاهيم جديدة يرفضها المجتمع ، و إدخال تفسيرات منطقية لسلوك غير منطقي وغير مقبول ،أو العبث والتشكيك بالتاريخ والماضي الذي نفتخر به  ، وكذلك الطعن بالشخصيات التي يراها المجتمع رمزا ، ونشر الأكاذيب وتزوير التاريخ والتي قد تأخذ طابع التنظيم وتعمد الإفساد،  ولأننا  في عصر السرعة ولعدم وجود الخبرة الكافية نجد هذه الأمور تأخذ حيزها من العقول دون تمحيص وبحث ، وتصبح الأكاذيب حقائق يتداولها الناس .
          إن أهم وسائل الإفساد الفكري والثقافي هو حالة الانفتاح الكبيرة على الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي بدون قوانين ضابطة،  حيث يعتبر البعض معلومة شبكات التواصل حقائق ويبدأ بتداولها على هذا الأساس دون بحث وتدقيق ، ولعلنا نقرأ كثيرا عن أمور تمس الشخصيات العامة، باستخدام صور تعدل مكوناتها لتظهر على غير حقيقتها .
ومن  الصور الخطيرة طرح أفكار  مرفوضة وسط مجموعة  من الأفكار الجيدة ،فتضيع هذه بتلك ، ويدخل السم في الدسم ، وقد تؤدي هذه الافكار الى تكفير المجتمع  أو رفض الأخر أو إباحة التعدي عليه ، وهذا الامر هو اللبنة الأساسية في انتشار ما يسمى بالفكر الداعشي ، ولعل ادخال بعض الجمل الدينية الشائعة والمعروفة كأدلة على أحاديث مغلوطة والتعامل معها كحقائق ،ولعل وسائل الإعلام  تشارك في هذا الأمر دون ان تشعر .
الإفساد الثقافي ياتي أيضا من انتشار وسائل الترفيه والثقافة والفن  دون مراقبة ، ومن أخطرها برامج الاطفال  التي تحتاج لرقابة شديدة ومتواصلة ، والمسلسلات  التي تبيح السلوكيات المجتمعية غير المقبولة ، فتنقلها الى سلوكيات ممكن الحديث عنها لتصل في النهاية لاعتبارها سلوكيات الاعيب فيها .
هذه الصور من الفساد يجب أن تحارب بقوة ، لأنها  جرائم بحق الفرد و المجتمع ، لا تدخل ضمن الجرائم التي يعاقب عليها القانون الا بعد ان تصبح عملا قائما بذاته  يستحق العقوبة، ان محاربة هذا النوع مسؤلية المجتمع بكامله من مدرسين ورجال علوم الدين والدعاة والأسرة والاعلام ووزراة الثقافة ، ويجب البحث في اشكالها وطرق مقاومتها ، وسن القوانين الناظمة للعمل الاعلامي والدعائي والتعامل مع شبكات التواصل  دون المساس بحق الفرد بالتعبير والسؤال وابداء الرأي.
  يقول جلالة الملك في ورقة جلالته النقاشية السابعة ( إنني أؤمن كل الإيمان بأن كل أردني يستحق الفرصة التي تمكنّه من أن يتعلم ويبدع، وأن ينجح ويتفوق ويبلغ أسمى المراتب، بإيمان وإقدام واتزان، لا يرى للمعرفة حدا، ولا للعطاء نهاية، منفتحا على كل الثقافات، يأْخذ منها ويدع)... ولتطبيق هذا  لابد  من كسر الحواجز بين فئات الشباب والمسؤلين وفتح أبواب النقاش  بكل صوره واستغلال شبكات التواصل  كطريق  ناجع يحبه الشباب ويقبل عليه ويشعر بالحديث من خلاله بالحرية وقيمة الرأي الذي يقدمه وبالذات عند مناقشة وبحث قانون ما سعيا لإقراره أو تعديله ، علينا ان نساير بقوة التغيرات السريعة والدخول فيها كطرف فاعل ضد الاطراف الهدامة والمفسدة..... وعليكم السلام
drosalah@hotmail.com

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل