الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الفساد والأفساد الفكري والثقافي

د. صلاح الدين أبو الرُّب

الثلاثاء 8 آب / أغسطس 2017.
عدد المقالات: 70

تمعنت كثيرا بقول رئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد الذي صدر مؤخرا ..(إن الفساد في الأردن مستويات أبرزها الفساد الأكبر، وهو المستوى الموجه إلى موارد الدولة، قد توقف، لكن التركيز اليوم على حل المشاكل في الفساد الأصغر (الرشوة) التي تتم لقاء تقديم الخدمة العامة.)...من الواضح هنا أن الحديث كان  عن زاوية من الصورة الكلية، حيث تم اعتبار سرقة الأموال هي الفساد بعينه، وهذا المفهوم يسري في الكثير من المؤسسات المشابهة في العالم العربي، حيث يرى البعض بأن الفساد هو ما يختص بالمال فقط.

يعرف البعض الفساد بأنه ( السلوك غير الصحيح الذي يقوم به من له جانب من جوانب السلطة  تمكنه من الاستحواذ على المال بدون وجه حق  ومن أشكال هذا الفساد الرشوة والمحاباة والواسطة ونهب المال العام والابتزاز)، وفي المقابل يرى البعض بأن هذه الحالات هي نوع من الجرائم اتي يحاسب عليها القانون بعقوبات محددة، ولمحاربة هذه الظواهر ظهرت قوانين منها من اين لك هذا، وإقرار الذمة المالية للمسؤلين الكبار، وتوسيع صلاحيات ديوان المحاسبة.

وإن كان هذا الفساد هو من أخطر أنواع الفساد، لكنه شكل من أشكاله وليس كل الفساد، بل هو النتيجة النهائية للكثير من أشكال الفساد الأخرى .

ان الفساد بمفهومه الواسع كما قرأت عنه هو (السلوك الذي يقوم به الفرد أو المجموعات المنظمة أو غير المنظمة لأفساد المجتمع، والعبث بأولوياته وأرثه وتقاليده الثقافية والاجتماعية والسياسية والفكرية والمالية والادارية)، فالفساد الإداري مثلا هو الطريق لتسريب أو ضياع المال باستغلال واضح للسلطة، فتظهر هنا أشكال الواسطة والمحسوية التي توجه الوظيفة لمن لا يستحقها، لعدم الأهلية أو لوجود الأصلح أو تجاوزا للدور،وطبعا يظهر هنا مبدىء أخر وهو تبادل المنفعة، الذي يشكل بدوره صورة من صور الفساد، وهذه الصورة تحتاج لمراقبة وقوانين ناظمة تمنع التجاوزات وتحد من الخلل.

ومع أن انواع الفساد كثيرة لكن أخطرها الأفساد الفكري والثقافي، وهو الأخطر على المجتمع بل هو بوابة الكثير من انواع الفساد، هذا النوع نراه في إدخال أفكار ومعلومات خاطئة ومفاهيم بعيدة عن ديننا وعاداتنا  وتقاليدنا، للعبث في عقول الشباب والباحثين عن المعرفة، والتي تؤدي الى تسريب مفاهيم جديدة يرفضها المجتمع، أو غض الطرف عن مفاهيم مرفوضة تدخل خلسة، أو ادخال تفسيرات منطقية لسلوك غير منطقي وغير مقبول، أو العبث والتشكيك بالتاريخ والماضي الذي نفتخر به ، وكذلك بالشخصيات التي يراها المجتمع رمزا، ولعل اكثر الحالات وضوحا محاولة البعض الطعن بتاريخ نضال الشعب الفلسطيني بتسريب جمل مغلوطة منها ان الفلسطينيين باعوا أرضهم، وذكر أمثلة تستخدم في غير صورتها الحقيقية،  ولأننا لا نحب البحث عن الحقيقة، تنتشر هذه الاكاذيب . 

إن أهم أسلحة الإفساد الفكري والثقافي هو حالة الانفتاح الكبيرة على الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي بدون قوانين ضابطة،  حيث يعتبر البعض معلومة شبكات التواصل حقائق ويبدأ بتداولها على هذا الأساس دون بحث وتدقيق، ولعلنا نقرأ كثيرا عن أمور تمس الشخصيات العامة، باستخدام صور تعدل مكوناتها لتظهر على غير حقيقتها . 

ومن  الصور الخطيرة طرح أفكار  مرفوضة وسط مجموعة  من الأفكار الجيدة، منها ما يؤدي لتكفير المجتمع  أو رفض الأخر أو إباحة التعدي عليه، وهذا الامر هو اللبنة الأساسية في انتشار ما يسمى الفكر الداعشي،ومنها استخدام مصطلح الاصولية الدينية بطريقة  تحمل في طياتها مهاجمة الدين ذاته، من خلال مهاجمة  شخوصه ورموزه القديمة والحديثة والاستهزاء بهم .

ومن صور التلاعب بالالفاظ لادخال مفاهيم غريبة  ما قرأته لأحدهم  يقول ( يكثر من حولي المحجبات والملحدات ) هذا الوصف يقسم النساء  إلى محجبات ولهن الصفات الحميدة،  ويصنف الباقي الى ملحدات، وفي هذا تجن مقصود وإدخال لفكر رافض للمجتمع، والاخطر ان يتبعها بالحديث عن عقاب الإلحاد والكفر، وهنا يدخل الفكر الهدام . 

الإفساد الثقافي ياتي أيضا من انتشار وسائل الترفيه والثقافة والفن غير المستحبة دون مراقبة، ومن أخطرها برامج الاطفال التي تحتاج لرقابة شديدة ومتواصلة، والمسلسلات التي تبيح السلوكيات المجتمعية غير المقبولة، فتنقلها الى سلوكيات ممكن الحديث عنها لتصل في النهاية لاعتبارها سلوكيات لاعيب فيها . 

هذه الصور من الفساد يجب أن تحارب بقوة، لأنها جرائم بحق الفرد والمجتمع، لا تدخل ضمن الجرائم التي يعاقب عليها القانون الا بعد ان تصبح عملا قائما بذاته  يستحق العقوبة، ان محاربة هذا النوع مسؤولية المجتمع بكامله من مدرسين ورجال علوم الدين والدعاة والأسرة والاعلام ووزراة الثقافة، يجب البحث في اشكالها وطرق مقاومتها، وسن القوانين الناظمة للعمل الأعلامي والدعائي.

يقول جلالة الملك في ورقة جلالته النقاشية السابعة ( إنني أؤمن كل الإيمان بأن كل أردني يستحق الفرصة التي تمكنّه من أن يتعلم ويبدع، وأن ينجح ويتفوق ويبلغ أسمى المراتب، بإيمان وإقدام واتزان، لا يرى للمعرفة حدا، ولا للعطاء نهاية، منفتحا على كل الثقافات، يأْخذ منها ويدع)... ولتطبيق هذا لابد من كسر الحواجز بين فئات الشباب والمسؤلين وفتح أبواب النقاش  بكل صورة ومنها شبكات التواصل  مع المسؤولين وذوي الرأي لبحث قانون ما، أو حالة بعينها ودراستها بموضوعية والتعامل معها..... وعليكم السلام

drosalah@hotmail.com

 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل