الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العلاقة الأردنية الإسرائيلية ماهي والى أين؟

عبد الحميد المجالي

الخميس 27 تموز / يوليو 2017.
عدد المقالات: 101

الحديث في العلاقة الاردنية الاسرائيلية ذات حساسية خاصة تاخذ ابعادا تفاعلية عديدة ومتعددة الوجوه، اكثر من اي تفاعلات اخرى في اي علاقات بين دولتين في العالم. وجوهر هذه الحساسية هو ان اسرائيل هي الطرف الثاني في هذه العلاقة، بكل ما يعني ذلك من ضرائب نفسية وسياسية وجيوسياسية وحتى دينية يدفعها الاردن لقاء هذه العلاقة مع كيان مثل اسرائيل .

في عام 1994 وبعد بيان واشنطن الذي انهى حالة الحرب بين الاردن واسرائيل، تحدثت انباء عن احتمال عقد لقاء بين المغفور له الملك الحسين،ورئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين، وكان عقد لقاء مثل هذا في ذلك الوقت يمثل الحساسية نفسها في العلاقة بين الطرفين. وفي حديث ليس للنشر مع الاعلاميين في الديوان الملكي الهاشمي في تلك الفترة، شاء جلالته ان يتحدث عن هذه الانباء، ولخص الامر بجملة واحدة عابرة لم ينف فيها امكانية عقد اللقاء حيث قال متنهدا : “ هل تعتقدون انني احب حتى رؤية وجه رابين ؟” .

هذه الجملة تلخص مجمل حالة العلاقة الاردنية الاسرائيلية جذورا ومسيرة . فظروف عقد ذلك اللقاء، وبدء مفاوضات السلام، وعقد المعاهدة مع اسرائيل، كانت ظروفا صعبة للغاية على الدول العربية بمجملها، واكثرها صعوبة كانت على الاردن بالذات دون غيره من العرب القريب والبعيد عن اسرائيل . فقد هزم العراق في الحرب، وفرضت واشنطن التفاوض المباشر بين العرب واسرائيل، وكان الاردن محاصرا لاتهامه بتاييد العراق في الازمة العراقية الكويتية، وزاد الطين بلة ان عرفات تفاوض سرا مع اسرائيل وتوصل الى اتفاق اوسلو، وفي الوقت ذاته كانت تعقد مفاوضات سورية اسرائيلية، ولم يكن السوريون يفصحون للاردن عن المراحل التي وصلت اليها مفاوضاتهم تلك، بل كانت الظلال والضبابية هي سيد الموقف، وقد خشي الاردن ان تتكرر تجربة اوسلو ايضا بين سوريا واسرائيل وان يبقى وحده في مواجهة كيان قوي وطامع . وبالتاكيد فانه لن يستطيع تحمل تبعات هذه المواجهة وحده بعد ذهاب العرب، كل بما استطاع الحصول عليه . 

في هذه الظروف قال المغفور له جملته الشهيرة التي تحمل معاني لها دلالاتها العميقة، واهمها ان العلاقة مع اسرائيل هي علاقة اضطرارية وليست اختيارية، وخاصة في تلك الظروف الاستثنائية . 

ولعلي لا اكون مبالغا اذا قلت ان هذه الاضطرارية في العلاقة من جانب الاردن ما زالت مستمرة وستظل كذلك، رغم اختلاف الظروف، ومع بقاء ثوابت اضطراريتها النفسية والسياسية والتاريخية والوجودية .

ورغم عقد المعاهدة، الا ان طبيعة العلاقة بين الاردن ودولة استثنائية في انشائها ووجودها في الجوار، فرضت عدم استقرارها اوهدوئها كأي علاقة بين دولتين تقيمان علاقة طبيعية. فهناك الكثير من العوامل او الموانع التي تقف حائلا امام  اقامة الاردن علاقة طبيعية مع اسرائيل، رغم بعض الظواهر التي ان تم التدقيق فيها فسنجدها لاتعبر عن طبيعية هذه العلاقة او حتى احتمال اقامتها في المستقبل .

واهم هذه العوامل التي تضاف الى العوامل الثنائية غير المستقرة، هي تفاعلات القضية الفلسطينية والتي تتعدد في حجمها وتتعمق في دلالاتها وابعادها على جميع الصعد . فهذه القضية بطبيعتها ايضا قضية غير جامدة في تطوراتها واحداثها التي تثير زلزالا يضرب في العمق كل يوم . ومما يجعلها كذلك ان الاسرائيليين يتصرفون على قاعدة ان كامل فلسطين هي ارض اسرائيل وفقا لما تقوله التوراه . ومن ثم لايعتبرون ان الضفة الغربية والقدس ارضا محتلة، بل ارض تم تحريرها من العرب . وفي المقابل هناك شعب فلسطيني يدافع عن ما يعتقد ويؤمن بانها ارضه ووجوده وتاريخه، وتلك الحالتان تشكلان حواجز تكاد تكون مستحيلة الازالة لايجاد تسوية لهذه القضية المعقدة. ومما يضاعف من حالة الاحتكاك اليومي في العلاقة الاردنية الاسرائيلية الذي ياخذ طابع الاستفزاز، هو ممارسات اسرائيل في القدس وفي الاقصى بالذات، الذي شاء الاردن ان يضع نفسه دون غيره من العرب في مواجهة اسرائيل عندما قبل بالوصاية على المقدسات الاسلامية والمسيحية التي تشكل القضية الاكثر حساسية في الصراع العربي الاسرائيلي بمجمله .

هناك من يفسر الاحداث في القدس والمقدسات بيومياتها ويركز حديثه على الكاميرات والبوابات ودخول المستوطنين وغيرها من الاحداث اليومية، غير ان القضية اعمق واكبر من هذه الاحداث، انه صراع على هوية القدس كمدينة، وعلى هوية المقدسات كمواضع روحية لها علاقة بالدين والثقافة والتاريخ، فالاحداث اليومية التي تقوم بها اسرائيل، جزء من هذا الصراع ولاتقع خارجه، ويجب ان تفسر هذه الاحداث وان تتخذ المواقف بشانها في اطار هذا الفهم لطبيعة الصراع مع اسرائيل، وحتى مستقبل العلاقة الاضطرارية معها .

لقد مرت العلاقة الاسرائيلية الاردنية منذ توقيع المعاهدة بالكثير من العواصف وعدم الهدوء، ووصلت في كثير من الاحيان الى حافة الهاوية المحرجة والصعبة لكلا الطرفين وخاصة بالنسبة للاردن، الذي لايملك خيارات عديدة في التعاطي مع الازمات التي تتخصص اسرائيل في خلقها، واخرها ازمتين تتراكم تفاعلاتهما معا على سطح العلاقة بين الجانبين، وهما ازمة الاقصى وازمة حادث السفارة .

لا الوم الحكومات الاردنية ولا الاردن عموما في طرق تعامله مع الازمات التي تصنعها اسرائيل. ان الاردن بصراحة كمن يجاور افعى لايعرف متى يمكن ان تتحرك لتلدغ من يجاورها حتى لو كان بين الجارين معاهدة وكلام شرف . كما لايعرف متى ترغب في تبديل جلدها او تلوين مظهرها لتقلب الطاولة على ماهو معتاد . فعلاقته الاضطرارية مع هكذا كيان متقلب المزاج، يؤمن باجندة تختفي وراء جدران سميكة، علاقة لايمكن وصفها الا بهذا الوصف الذي عبر عنه المغفور له بجملته الشهيرة التي تحمل معاني وابعادا وواقعا مازال قائما، ويبطل اي دافع للمزاودة على الاردن في كيفية التعاطي معه .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش