الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نظرية المؤامرة هل هي عجز أم مرض؟

عبد الحميد المجالي

الاثنين 17 تموز / يوليو 2017.
عدد المقالات: 53

ربما تكون الشعوب العربية اكثر شعوب العالم ايمانا بنظرية المؤامرة واستخداما لها في تفسير ما يجري من احداث سياسية واجتماعية وغيرها . فهي نظرية مريحة للنفس،لاتحتاج الى عناء تفكير، بل تحيل العقل الى تقاعد مبكر ما دام هناك نظرية جاهزة يمكن استخدامها في كل الازمنة والامكنة، وقابلة للتصديق . 

التاريخ مليء بالمؤامرات . والذي يجعل من العرب اكثر ميلا الى اللجوء لنظرية المؤامرة واستحسانها وخاصة في الاحداث السياسية، هو الماضي الاسود للآخر ونقصد به الغرب، في تعاطيه مع المنطقة العربية ، حيث كان هذا الغرب المتوحش علنا في الماضي، والمختبئ في الحاضر وراء مبادئ انسانية كاذبة تستخدم سبيلا للتدخل الناعم في منطقتنا، كان سببا في معظم كوارثنا التي تمتد اثارها الى اليوم وستبقى الى المستقبل البعيد .

 نظرية المؤامرة تلقى رواجا غير مسبوق في العقود الاخيرة، بعد ان اصبحت الحياة البشرية والعلاقات الدولية والانسانية اكثر تعقيدا وتغيرا، كما اصبحت الاحداث مع تقدم الاتصالات والتسارع الحضاري في كل المجالات، اكثر تداخلا وتسارعا، ما جعل منها عسيرة الفهم، الامر الذي وفر ارضية خصبة لانتشار هذا النمط من التفكير الذي اخترق كل طبقات المجتمع العربي المتعلمة وغير المتعلمة .

ورغم كل هذه المبررات التي تعطي المواطن العربي حقا في استخدام هذه النظريه، الا انه ليس من الواقعي او المنطقي تفسير كل شئ على انه مؤامرة خارجية دبرت في الغرف الغربية المظلمة . فبغض النظر عن الاسباب الفعلية لكل ما يحدث في حياتنا من تغيرات واحداث، والصاقها بالغير، يكبح قدرتنا على التحليل العلمي لما يحدث، وبالتالي يقف عائقا امام اي محاولة للتغيير او الاصلاح الداخلي، مادام سبب ماحدث هو الغير وليس نحن وفساد ما نقوم به .

كثير من علماء النفس، يفسرون لجوءنا الدائم لنظرية المؤامرة على انه مرض نفسي ناتج عن الشعور المستمر، باننا ضحايا للغير، واننا عاجزون عن فعل شئ بل ومستسلمون لما يجري في مواجهة اعداء اقوياء ينفذون ما يشاؤون في الزمان والمكان الذي يريدون. 

آخرون من المحللين يوجهون سهامهم الى الشعوب العربية بالقول، انها تغلب عليها البساطة في التفكير، وتبدو غير قادرة على تفكيك الوقائع والاحداث المعقدة التي تعيشها الامة. فهي لاتهتم بالتفاصيل وعاجزة عن فهم وتحليل ما وراء السطور، وغير قادرة على ادراك مآلات الامور، حتى لوكانت تتعلق بمصائرها ومستقبل اجيالها . كما ان التركيز على نظرية المؤامرة هو خط الدفاع الاخير للضعيف، الذي يقر بعدم قدرته على تغيير واقعه الراهن، واعتراف ذاتي بالهزيمة المعنوية وهي اخطر انواع الهزائم. 

لقد امتدت نظرية المؤامرة الى معظم حياتنا في المنطقة العربية، والذين يؤمنون بهذه النظرية لم يستثنوا اي حدث الا ووضعوه في صندوق هذه النظرية، حتى وصل الامر الى ان نقرا ونستمع الى تحليلات في هذا الاطار تثير الضحك والسخرية، ولاتستقيم مع المنطق والعقل . لقد الغى اصحاب هذه النظرية قدرة الشعوب العربية على الحركة والانتفاضة ضد الاستبداد، وفسروا تحقيقا لرؤى سياسية هي جزء من الثورة المضادة، على ان الربيع العربي مؤامرة خارجية ورطت فيها القوى الاجنبية الشعوب العربية في العمل ضد حكامها، مستندين بتكرار ممل، الى قول لوزيرة الخارجية الامريكية كوندليزا رايس السابقة ذات يوم في مقابلة تلفزيونية في اطار تحليلها لما يجري، بان هذا الذي يحدث فوضى خلاقة، اي انها في النهاية قد تؤدي الى اقامة انظمة ديمقراطية . من يصدق ان المخابرات الغربية قد اختارت احدى الشرطيات التونسيات، ورتبت معها لضرب بائع الخضار بوعزيزي في احدى مدن تونس الجنوبية، ثم دعت بوعزيزي الى حرق نفسه، وبعد ذلك حرضت سكان تلك المدينة على التظاهر ضد قمع الشرطة، الى ان تطور الامر الى مظاهرات امتدت الى كامل تونس، قام بها الشعب الذي كان يشعر بالاضطهاد من نظام بن علي . اليس هذا ما جرى ؟ ومن يصدق ان المخابرات الغربية قد وصلت الى احد منازل مدينة درعا، وشجعت اطفالا كانوا يشاهدون على مدى اسابيع فضائيات تهتف فيها الجماهير “الشعب يريد اسقاط النظام “وراحوا يكتبون هذه العبارة ببراءة على احد الجدران . ولان النظام اعتاد القمع والحمق في الممارسة، قمع الاطفال واهليهم وفعل الافاعيل، وكانت تلك بذرة الثورة السورية. فلو تصرف النظام حينها بحكمة لما حدث كل ما جرى . .وغير ذلك كثير، حتى ان البعض اصبح يشكك بعد كل ما جرى ولايزال يجري بوجود تنظيم داعش، ويتساءل اين ذهبت داعش من الموصل ؟ وهل يحتاج الامر الى سؤال . انهم اموات تحت الارض، تم دفنهم دون عرضهم على الشاشات. فهل شاهدنا بالمقابل جثث قتلى الجيش العراقي الذي فقد الآف من افراده ؟ الجيوش لاتعرض جثثا في حالات الحروب، فهل شاهدنا على سبيل المثال جثث الجنود المصريين الذين قتلوا في سيناء قبل اسبوع ؟ انه هذيان او مرض نظرية المؤامرة، التي تريح او تعطل العقل العربي عن التدقيق في الحقائق حتى البديهية منها. نعم هناك تدخلات خارجية دت الى اختطاف الثورات الشعبية لظروف عديدة لامجال لذكرها هنا . ولكن الشعوب العربية هي من قام بهذه الثورات دون تشجيع او تدبير من احد. انها ثورات عفوية جرى تغيير اتجاهاتها بعد ذلك بفعل خارجي .

سيمر وقت طويل قبل ان تصبح نظرية المؤامرة خاضعة لتفكيرنا العلمي والمنطقي في تفسير الاحداث على الساحة العربية على الاقل . فلا تزال هذه النظرية تستوطن العقل الجمعي العربي وتحيله الى التقاعد، وتلك احدى مصائبنا التي لاتحصى .

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل