الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السـلــوك الاغـتـرابـــي الأردنـــي

د. صلاح الدين أبو الرُّب

السبت 15 تموز / يوليو 2017.
عدد المقالات: 72

الاغتراب مصطلح نستخدمه لوصف حالة الهجرة من الوطن الى بلاد أخرى بحثا عن العمل وسعيا للرزق، وهو نوع من أنواع مشاركة أهل البلد في وطنهم وبيئتهم المحلية والثقافية والاجتماعية، في تبادل مشروع، فالمهاجر يقدم خبرته والعمل الذي يتقنه، وبلد الإغتراب يقدم المال والمأوى، والأمن والأستقرار خلال فترة التعاقد، وتشمل أحيانا الرعاية الصحية والاجتماعية والتقاعدية.

ونظرا للظروف الاقتصادية وحالات الهجرة الجماعية التي عانت منها الأردن، كان ما زال التفكير في البحث عن العمل خارج الوطن شكلا مهما من أشكال البحث عن الرزق،و يشكل قضية أساسية تفكر بها كل عائلة بها شاب حديث التخرج، وكل عروسين على أبواب حياة جديدة، ومع ظروف العمل ألصعب في بلاد الإغتراب، فقد اصبح الإغتراب ذاته حلما جميلا يسعى اليه الجميع، ولا نعلم منه الا بوابته والأحلام التي خلفه وبعض قصص النجاح التي تحققت، اما الوجه الاخر للموضوع فهو شبه مغيب . 

يقول الشاعر العباسي ابو نواس وهو يلخص الحالة بقوله

تقـولُ التي عن بيتها خفّ مـرْكبي 

 عزيزٌ علينا أن نَرَاكَ تَسيرُ

أما دونَ مصْرٍ للغنَى مُتَطَلّبٌ؟

  بلى إنّ أسْـبـاب الغِـنَى لـكـثــيــرُ

فـقلتُ لها: واستعـجلَتْـها بَـوَادِرٌ  

  جـرتْ، فجـرى في جرْيهِـنّ عبيــرُ

ذريني أكَثّرْ حاسديكِ برِحْلَة  

  إلى بـلَـدٍ فيـه الخصيـبُ أميــرُ

إذا لم تَـزُرْ أرْضَ الخصِيبِ ركابُنا

 فـأيّ فتـى، بعـدَ الخصيبِ، تَزُور

    الإغتراب كحالة أردنية مطلوبة يشكل ظاهرة لا بد من دراستها والتمحيص فيها، حيث تبدأ الحكاية من شخص واحد من العائلة ثم تمتد لاخوته ولعائلته، ليشكلوا فرعا جديدا في بلاد الإغتراب، ويتم الزواج بينهم، ويعيشون وينجبون وينفقون ويتصرفون كمواطنين، وفي الواقع لا يشعرون بأنه من السهل قانونا التخلي عنهم، بقرار مباشر او بالتضييق عليهم،  منه استخدام البلاد حقهم الطبيعي في توطين وظائفهم حسب نسب الباحثين عن العمل، وهو ما يحدث حاليا في الكثير من دول الخليج، مع ما يحمله الأمر أحيانا من خلفيات سياسية مقصودة، ولكون الاغتراب الأردني يتكون غالبا من أسر ومجموعات وليس كافراد كما هو الحال في الكثير من العمالة الوافدة غير الأردنية، فأن أمر العودة المفاجىء أصبح يشكل مصدر قلق للمغتربين وعائلاتهم وللدولة الأردنية أيضا؛ مما يشكله من حمل إضافي كبير ومفاجىء على البنية التحتية، كما حدث بعيد حروب الخليج السابقة، وهو ما يجعل عودة رأس المال الاردني لا يعوض العبء الشديد الذي يقع على البنية التحتية في الاردن من خدمات صحية وتعليمية وشوارع وكهرباء وماء وغيرها من الخدمات التي تقدم بشكل مدعوم من قبل الدولة، أو تحتاج لنفقات كبيرة لتطويرها وتوسيعها.

      من الإشارات التي يجب ان نحسب لها حسابا دقيقا صدور بعض القرارات في بلاد الاغتراب، يتحمل فيها العامل الوافد تبعات نفقات البنى التحتية، والخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، وتفعيل إحلال العمالة الوطنية أمام العمالة الوافدة في مايعرف بتوطين الوظائف، يظهر السؤال عن دور وزارة الخارجية وشؤون المغتربين التي سميت كذلك لرعاية شؤون المغتربين، وليس لحل بعض مشاكلهم الطارئة والتي غالبا ما يتحمل مسؤليتها ومتابعتها بالكامل المغترب الأردني، ويبدو بان الوزراة تعتبر شؤون المغتربين من الهموم التي تبتعد الوزراة عنها، وكأن لسان الحال يطلب إيجاد وزارة خاصة بشؤون المغتربين، وقد يكون الأمر يحتاج لدراسة، والسؤال ايضا عن السفارات الي يشاع عنها أنها لا تظهر أي تفاعل مع المغتربين، الا تفاعلا احتفاليا.

             احصائيا لا توجد دراسات مجدية حول أعداد المغتربين وأماكن تواجدهم، ومجالات عملهم، واحتمالية العودة المفاجئة والمتوقعة بالذات عند طلبة الثانوية العامة لمتابعة دراستهم الجامعية في الأردن، لم نسمع أي نشاط لدمج استثمارات المغتربين مع الوطن بدلا من استثمارها في بلد المساكنة، أو في أي بلاد أخرى محيطة بنا، وهذا يحتاج لدراسة وأرقام تبين أشكال وصور وأسباب مساهمة الاردنيين في الاستثمار خارج الوطن، وأيضا دراسة قوانين الاستثمار التي يبدو بانها تشكل العائق الأكبر أمام استثمار أموال المغتربين وجهدهم وثمرة اغترابهم التي يجنيها الآخرون. 

      ويستمر الخوف من العودة السريعة والمفاجئة للمغتربين الذين ترى وزارة الخارجية أن عددهم حوالي مليون شخص موزعين على 70 دولة، ما يعني ان المشكلة ستطال اكثر من مليون شخص غيرهم يسكنون في الأردن من أقارب المغتربين ويعتمدون عليهم كليا أو جزئيا، هذا أمر يجب أن نستعد له، فكيف استعدت وزارة العمل وما هي خططها ودراساتها حول هذا الموضوع بعيدا عن التركيز بأرقام بلا حلول، كتكرار رقم المليون وافد الذين يعملون بالاردن بمهن غالبا لا يتقنها الأردنيون؛ لأسباب كثيرة، ومقارنتها بربع مليون أردني باحث عن العمل كأنهم وجدوا المعادلة السحرية لحل المشكلة، مع أن أغلب الوافدين يعملون بمهن لا يتقنها الأردنيون وان العاطلين عن العمل لديهم شهادات يرغبون بالعمل حول تخصصاتهم.

     يبدو بأن حل المشكلة سيبقى بيد الشباب، وأصحاب المهن الذين يجب أن يتكاتفوا بتشكيل شركات متوسطة وصغيرة للأستثمار في مجالات عدة منها الزراعة نباتيا وحيوانيا وسمكيا، واستغلال الصحراء والمناطق الجديدة والطاقة البديلة ومجالات الكمبيوتر ويبدوا أيضا أن على المغتربين أن يبدأوا بالتفكير بهذه المشاريع وهم في أوج عطائهم ببلاد الغربة والعمل خارج الوطن، دون التفكير بالانتقال من غربة الى غربة أخرى؛ لأننا في ذلك نؤخر حدوث المشكلة لزمان أكثر صعوبة ..حمى الله الاردن من القادم الصعب ... 

drosalah@hotmail.com

 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل