الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الإسلام السياسي ونهاية تاريخ

عبد الحميد المجالي

الخميس 6 تموز / يوليو 2017.
عدد المقالات: 102

سيمضي وقت طويل يتغير فيه وجه المجتمع الاسلامي وربما الدولة، قبل ان تحاول حركات الاسلام السياسي العودة مرة اخرى الى الساحة السياسية الاسلامية والعربية، لتطلب السلطة وتسعى اليها لاقامة دولة الاسلام السياسي، بعد ان وجهت لهذه الحركات خلال السنوات القليلة الماضية، ضربات موجعة اعادتها الى الوراء، واجهضت ما حققته من مكاسب سياسية وخاصة في الايام الاولى للربيع العربي، بعد عقود من المحاولات المضنيه تأرجحت خلالها بين الصعود والهبوط والاقصاء .

وعندما نتحدث عن حركات الاسلام السياسي، فاننا لانتحدث عن نمط واحد من هذه الحركات. بل نعني تلك التي تعددت رؤاها وطروحاتها في الشكل والمضمون، الذي يجب ان تكون عليه دولة الاسلام، ابتداء من انحرافية داعش الفوضوية العنفية وانتهاء باكثر هذه الحركات اعتدالا . فظاهرة الاسلام السياسي لاتعكس رؤية احادية لعلاقة الاسلام بالواقع العملي للمجتمعات، بل تعكس قراءات عديدة متنوعة، وكلها تستند في حججها على القران والسنة واراء الفقهاء والمفتين . فبعض التيارات الاسلامية تصر على احياء القوالب الاجتماعية والسياسية التاريخية والعودة الى الماضي التليد، باعتباره البديل الموضوعي للحالة الراهنة، مثل محاولات احياء مؤسسة الخلافة كنهج اساسي لربط قيم الاسلام بواقع المسلمين، في حين تدعو تيارات اخرى ـ وهي قليلة ـ الى تطوير مؤسسات حديثة لتحقيق الغرض نفسه، والاستفادة من التجارب الانسانية لتطوير مجتمع سياسي .

ولاشك ان الخطاب الديني لايزال وسيبقى له وقع خاص في النفس والضمير الاسلامي لاينفصل عنها، فهو بالاضافة الى انه يحمل مواصفات الخطاب الدنيوي، فهو يحمل ايضا مواصفات الخطاب الاخروي للمؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر. انه بالنسبة لوعي شريحة واسعة من المسلمين ليس الا قضية هوية متمايزة ومختلفة عن الهويات الاخرى في العالم، وتتفوق عليها في المبادئ والتاريخ ونهاية التاريخ للمجتمعات الاسلامية . ولذلك تتطلب هذه الهوية  التأكيد اليومي عليها في الخطابين الديني والمدني، حتى لوكان للبعض ملاحظات او رفض ضمني لها على وقع الضرورة التاريخية التي تفرض هوية حداثية مختلفة اثبتت نجاعتها في الاصلاح والتقدم والنهوض .

ولاشك ان الحفر في الواقع بحثا عن اسباب فشل حركات الاسلام السياسي في قيادة الدولة، قد تم تشخيصها لدى كثيرين من الباحثين . وعقدت بشانها عدة مؤتمرات بحثت ليس في الاسباب فقط، بل صاغت مجموعة من النصائح للحركات الاسلامية، وكانت هذه النصائح على شكل حلول استنبطت من الواقع الحالي، دون النظر الى حتمية تغير هذا الواقع في المستقبل، والذي يفرض حلولا مختلفة في الشكل والمضمون . 

ومساهمة في هذا البحث وان كان قد يبدو مكررا في المضمون على الاقل، فان الحركات الاسلامية لم تفرز قيادات سياسية ذات رؤى استشرافية متقدمة، اذ لاتزال القيادات السياسية في القوى الاسلامية تنتمي الى القيادات التنظيمية القديمة، التي لاتزال تقتات على تصورات القادة المؤسسين لهذه الحركات، والتي تعود افكارهم الى حقبة الاستعمار وجهود الخلاص منه. وربما تكون هذه الحالة سببا في انشقاق الكثيرين من منتسبي الحركات الاسلامية الذين يتوقون الى التغيير باتجاهات مختلفة وخاصة بعد الفشل الذي لازم هذه الحركات في الآونة الاخيرة، والانشقاقات التي شهدتها جماعة الاخوان المسلمين في الاردن مثال على ذلك .

ثمة قناعات تأكدت بالادلة الثابتة، على عدم قدرة التيار الاسلامي على قيادة النقلة الديمقراطية المطلوبة في العالم العربي، وهذه القناعات لها ما يبررها، اذ لايزال هذا التيار يستنسخ معظم طروحاته من الماضي التليد، منفصلا عن الواقع الحالي . كما ان الحركات الاسلامية ليس لها ادبيات في الحرية والديمقراطية، وبعض الناشطين الاسلاميين يكررون بين الفينة والاخرى مفردات وتصورات تعود الى مراحل تاريخية بعيدة كل البعد عن الخطاب الديمقراطي المعاصر . 

لقد كان مفهوما ان ظاهرة الاسلام السياسي هي جزء من الجهود المستمرة منذ عقود، والتي ترمي الى اعادة تشكيل البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية والاسلامية، وقد جاءت هذه الجهود في اطار الصراع بين المشروعين الاصلاحيين الاساسيين في العالم العربي، وهما المشروع الاسلامي والمشروع الحداثي، و كان بروز الاسلام السياسي ردا على جهود الحداثيين بالاستئثار بالسلطة، واعتماد العنف والقهر للتعامل مع دعاة التجديد التاريخي، وتجاهل الحريات المدنية والدين والتدين، بالاضافة الى هزائمه الساحقة في صراع الشعوب والدول العربية مع الاستعمار والصهيونيه . ولذلك كان المشروع الاسلامي بديلا جاهزا للمشروع الحداثي المهزوم على الصعيدين الداخلي والخارجي، الا ان هذا البديل فشل ايضا، ويعيش الآن مرحلة التراجع الى آخر قائمة البدائل، منهيا مرحلة صعود قصيرة العمر وبسرعة قياسية مثيرة للتساؤل .

لقد فوت تيار الاسلامي السياسي فرصة تاريخية لقيادة الدولة والمجتمعات العربية للاسباب التي ذكرناها وغيرها كثير،من اهمها عدم استطاعته اعادة صياغة المبادئ والتاريخ الاسلاميين صياغة عصرية تتفق مع تطلعات وطموحات الشعوب العربية في التقدم والحداثة، وفي عدم انسجامه مع التغيرات الثقافية التي تولدت لدى هذه الشعوب، بعد اكثر من قرن من التعاطي مع الحضارة الغربية التي اثبتت نجاحها وحققت انتصارات تاريخية على الشعوب العربية الاسلامية، ولعلنا نستطيع ان نقول ان الاسلام التركي قد يكون نموذجا اوليا يمكن الاستفادة منه من اجل ان يبقى الاسلام حاضرا في الضمير الانساني، لا ان يظل مجرد تاريخ نبكي على اطلاله، سيبقى الاسلام كدين، غير ان محاولات تسييسه لاقامة دولة بكل ما يعني ذلك، انطوت على فشل ذريع، بدأت بعدها حركات الاسلام السياسي تطوي صفحة من تاريخها، وعادت الى المربع الاول، رغم مكابرتها في نفي ذلك .

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش