الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحرب الخليجية البارده!

عبد الحميد المجالي

الاثنين 19 حزيران / يونيو 2017.
عدد المقالات: 32

الذين يعرفون بعض اسرار العلاقات الخليجية، وخاصة علاقات السعودية والامارات والبحرين بقطر، على امتداد السنوات الماضية، لم يفاجأوا بما يحدث الان من ازمة، قد تعيد تشكيل تحالفات الدول الخليجية، بل وقد يكون من نتائجها الوصول الى خريطة جديدة لعلاقاتها الخارجية مع الجوار والعالم.

الجديد في ظاهر الازمة هو توقيتها، اذ جاءت بعد زيارة الرئيس الامريكي الجديد الى السعودية واعادة توثيق علاقات بلاده مع الرياض، في عملية تصحيح لمسار هذه العلاقات، بعد ان اعتراها الفتور والخراب في عهد ادارة اوباما، التي اجتهدت طوال ثماني سنوات في تخريب الشرق الاوسط كله، ووضعته فريسة لقوى ودول متعددة الاهداف والمشاريع. 

البعض ربط بين الازمة وزيارة ترمب. وذهب الى ابعد من ذلك بالقول، ان الرئيس الامريكي هو المحرض عليها. غير ان هذا القول لايصمد امام طبيعة علاقات واشنطن مع دول الخليج. فالدول الثلاث اتخذت خطوتها ضد قطر، بعد ان وجدت في موقف ترامب اختلافا عن موقف اوباما، إذ لم يكن متوقعا من اوباما تأييد المقاطعة ضد قطر، وهوعكس ماهو متوقع من ترمب بعد قمم الرياض. كما ان واشنطن ليست بحاجة لمثل هذه الخطوة للضغط او ابتزاز اي من الدول الخليجية للحصول على مصلحة ما، فلديها ما يكفي من الوسائل العلنية والسرية لتحقيق ذلك. ترمب جاء الى الشرق الاوسط كتاجر ورجل اعمال، قبل ان يكون سياسيا، ولايزال يحمل هذه الصفة التي قد تلازمه طيلة فترة رئاسته. فهو يهاجم ايران وسياساتها في الوقت الذي لم يوقف فيه صفقة ايرانية بواحد وعشرين مليار دولار لشراء طائرات بوينغ ابرمت بعد شهر من تسلمه الرئاسة. ثم بعد انفجار الازمة الخليجية بايام عقد صفقة مع قطر باكثر من عشرين مليار دولار لبيعها خمسة وسبعين طائرة حربية من طراز اف 15. واذا اضيفت هذه الصفقات الى ما ابرمه من عقود مع السعودية، فالحصيلة تكون كبيرة لرئيس لم يمض سوى اشهر قليلة في البيت الابيض. فمواقف واشنطن لايمكن فهمها الا من خلال فهم رؤية ترمب لكيفية خلط التجارة بالسياسة. ولهذا تحاول واشنطن ان تبقى على مسافة واحدة من الاطراف المتنازعة في الخليج،ما دامت تحقق جميعها المصلحة الامريكية.

ولاشك ان اطراف الازمة قد بداوا منذ بدايتها في سباق لكسب ود واشنطن وما زالوا. فمن يكسب واشنطن يكون قد قطع منتصف الطريق على الاقل الى الانتصار في هذه الازمة، التي ضاقت فيها خيارات المتنازعين الى حد بعيد، ووضعت عقبات امام من يسعى للوساطة، وخاصة الكويت وتركيا، بعد ان ادعت انقرة انها تقف على الحياد، وهو امر غير قابل للتصديق. 

الازمة بين قطر وشقيقاتها تعود لعدة سنوات مضت، لكنها ظلت تحت الرماد الى ان بدات تظهر الى العلن، بعد ان اختارت قطر سياسة خارجية منفصلة او متمايزة عن سياسات مجلس التعاون، وخاصة بعد ان اعلنت بوضوح، دعم وتاييد الاسلام السياسي بكل اتجاهاته، الذي كان يسعى لقلب الانظمة العربية. وفي هذا الاطار عقدت تحالفا في جوهر سياستها الخارجية بين المال والسياسة والدين، وهو امر لم يزعج الدول الخليجية فقط، بل تعدى ذلك الى اتهامها بالتامر على انظمتها، اضافة الى انها عززت علاقات متنوعة الاتجاهات والاهداف مع ايران، العدو الاول لهذه الدول.

تقول الدول الخليجية ان قطر لم تلتزم باتفاق وقع عليه اميرها قبل ثلاث سنوات ويطلب من الدوحة اتخاذ مجموعة من الاجراءات، من بينها طرد الاخوان المسلمين الذين تاويهم نكاية بدولهم، ووقف دعمها لمنظمات مصنفة على انها ارهابية مثل النصرة وطالبان « لها مكتب في الدوحة « واخرى في ليبيا، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية ومن بينها مصر. لم ترد الدوحة على ذلك بوضوح، بل قال وزير خارجيتها ان بلاده لاتعرف بعد، لماذا قطعت الدول الثلاث علاقاتها مع بلاده، وهي الدول التي سحبت السفراء من الدوحة قبل اكثر من سنتين للاسباب ذاتها.

الذي يراقب وسائل الاعلام المؤيدة لكل طرف من اطراف الازمة، والحركة الدبلوماسية التي لم تهدأ لكسب ود الاخرين وخاصة الدول الغربية « لم يزر اي وزير خارجية من هذه الدول اي دولة عربية «، يلاحظ اننا امام لحظة مخجلة في العلاقة الخليجية. ومن يتابع وسائل الاعلام في الاتجاهين، يلاحظ الى اي حد وصلت هذه الازمة في استخدامها لمختلف الاساليب، لدعم كل طرف موقفه والاساءة للطرف الاخر، بالاخبار المفبركة والمزورة والتحليلات التي تثير الخجل في ازمة خليجية خالصة، تختص شعوبها وحكامها بتداخل عائلي واجتماعي وجغرافي يميزهم حتى عن اشقائهم العرب الاخرين. انها حرب باردة غير مقبولة وليس لها ما يبررها، وفصولها تمهد لقطيعة دائمة اساسها الاحقاد وخطاب الكراهية بين اقرب الاشقاء. 

نهاية الازمة لن تكون باستخدام الخيار العسكري، فهو خيار مستبعد تماما بوجود القاسم المشترك الامريكي الذي لن يسمح بذلك. وما ارسال تركيا قوات الى قطر، الا محاولة للبحث عن دور داخل الاسرة الخليجية بعد ان انحسر الدور التركي في سوريا. واشنطن تنتظر برود الازمة وفشل الوسطاء الاخرين، لكي تتدخل علنا لتسوية الازمه، ولن يطول هذا الانتظار، لان تاخير التسوية، سيزيد من عمقها، وايضا من عمق الانتهازية الايرانية والتركية التي تحاول استغلال الخلاف الخليجي الى ابعد حد. كما ان التسوية الامريكية المفترضه وفقا للمعطيات الامريكية قد تحاول ارضاء كل الاطراف دون غالب او مغلوب. هذا ما تقتضيه المصلحة الامريكية. فالازمة الان في يد واشنطن لا في يد غيرها، رغم كل ما نسمعه من كلام عن ان الازمة الخليجية ستحل خليجيا. هذه هي الحقيقة في الواقع، وهي حقيقة حتمية، لكنها مؤسفة في الوقت ذاته.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل