الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«صديقتي اليهودية».. رواية اجتماعية معرفية جمالية مدهشة

تم نشره في الخميس 15 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

د. حسين جمعة *
بإرادة قوية لا تلين وعزيمة ثابتة وتصميم عميق لا يتوقف الأديب مهندس الحدائق صبحي فحماوي عن المثابرة والعمل الدؤوب لتعزيز دوره في الحراك الثقافي والأدبي في الساحتين المحلية والعربية، وترسيخ مكانة لائقة له في عالم الإبداع يغزو بها الأسماع والأذهان في سائر الوطن العربي. وقد تمكّن في العقدين الأخيرين من أن يثير حوله بعضاً من العواصف الحانية أحياناً، والقاسية تارة أخرى، وهو يخوض معركته في الكتابة متحدياً ذاته ومحيطه، ومبرهناً على أن الإرادة والمثابرة والتحدي، والاشتغال على الموضوع بكد وتعب لا بد وأن يؤتي أكله ويجني ثماره مهما تراكمت العقبات واشتدت التحديات، وأن النجاح يؤخذ غلاباً ولا يقتصر على الموهبة حسب، وإنما يجمع بين الموهبة وبين المثابرة العنيدة.
وسردية صبحي فحماوي «صديقتي اليهودية» خير مثال على الإرادة الحية التي يتمتع بها، والتي أيقظت موهبته الروحية وأسعفت ملكته الفكرية على اجتراح عمله، والسيطرة على قواه الفاعلة الفيزيائية والمعنوية، وتوجيهها لإنجاز المهمة المطروحة أمامه التي رأى أنها تستحق التفكيك وإعادة النظر في أبعادها وخلفياتها. يجد جمال قاسم بطل المروية نفسه، وهو في رحلة سياحية، إلى جانب امرأة من أصول يهودية ما تزال حبيسة الدعاية الصهيونية، وما تشيعه من تلفيقات حول تاريخ اليهود وشتاتهم في شتى بلدان العالم، وهذا الأمر حفزه على تقديم رؤيته حول القضية الكبرى التي لا تغادر ضمير كل عربي شريف مهما تباينت المسافات وتعددت الاتجاهات. وكان استفزاز إحدى المشاركات في الرحلة أحد الحوافز الذي حرضه على إثارة موضوع الإرهاب، ومن هم الإرهابيون ليقطع الطريق أمام الجميع ويفند هذه الدعاوى الزائفة. وما أن علم بأن جارته في الحافلة من أصول يهودية حتى اتخذ ذلك ذريعة للانطلاق في الحديث في شتى المواضيع والاتجاهات ليلفت انتباهها ويشد سمعها إليه، لأن المشوار طويل والحياة سواليف تتقاطع فيها الروابط الأدبية وغير الأدبية، وتتبدى خلال ذلك فرادة الفنان وملكاته في القص وإرواء الموضوع وبلوغ الهدف والقصد المأمول.
 انبرى جمال قاسم ومن خلفه المؤلف في طرح معلوماته التاريخية بإرادة متينة واندفاع شديد لإيقاظ الأغراض المتوخاة، والوصول إلى غايته من رحلته ومن حواراته مع جارته، وإقناعها بوجهة نظره، ومنظوره إلى درك جوهر قضيته المركزية، بعد إيراد الحقائق حول أصول الديانة اليهودية وانتشار معتنقيها في سائر مواطن الشتات بعد أن دالت دولتهم (دولة الخزر)، التي نشأت في العصور الوسطى وسط أوروبا، وأنها كيهودية ليس لها علاقة بيهود الشرق الذين هم عبارة عن إحدى القبائل السامية التي عاشت في المنطقة، مستنداً في حديثه إلى الدراسات الحديثة التي وضعها نفر من المؤرخين والباحثين المعاصرين، وإلى استنتاجاتهم في المسألة اليهودية. وأرى أن استجابة يائيل لحجج جمال قاسم ومعلوماته جاءت أسرع من المتوقع، ولم يتم التعمق في دلالاتها من قبلها، ومن ثم استيعابها وتفهمها تدريجياً، ويمكن تفسير ذلك بضعف ثقافتها في هذا المجال، ووقوعها في براثن الدعاية الصهيونية ومكائدها بدون ترو كاف والإيمان بكل ما تبثه بدون تمحيص يذكر، أو لأن بطل الرواية استسهل المسألة، واعتقد أن قناعاته الشخصية يمكن أن يسلِّم بها غيره بسهولة، لأنها صحيحة. ومع كل ذلك انتهت المسألة بالإخفاق جراءَ توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم، الذي اعترف، ومن قبل أصحاب القضية، بالدولة الصهيونية على أرض فلسطين في مخالفة فظة وصريحة لوقائع التاريخ والديموغرافيا والمشاعر الوطنية والقومية.
لم يكن جمال قاسم سائحاً عادياً بقصد التمتع برحلته، إنه شخص ذو ثقافة رفيعة واطلاع واسع حضر في هذه السردية مسلحاً بأدوات معرفية وتاريخية لتبديد الأوهام العالقة في أذهان الإنسان الأوروبي البسيط حول الإرهاب والإرهابيين العرب والمسلمين، وخطورتهم على الحضارة العالمية، وإثبات أن الإرهاب الفعلي جاء من الغرب الاستعماري وأطماعه البشعة في الاستحواذ على مقدرات الشعوب المستضعفة، والهيمنة على ثروات العرب وحيواتهم، وبدا ذلك جلياً في تجزئة العالم العربي وتأسيس دولة للصهاينة في فلسطين تكون عوناً لهذا الاستعمار في تمزيق الكيان العربي وحجب وحدة العرب وتفريق كلمتهم والاستمرار في استغلال ثرواتهم.
ولعل أبرز ما جاء به البطل ومن ورائه المؤلف الخبير في رحلته، هو جلاء وجه أوروبا الغربية بكل إنجازاتها الحضارية ومفارقاتها الغريبة، غير متوقف عند الحقل الزراعي ومستجداته وإحداثيات تطويره بإجراء المقابلات ما بيننا وبينهم وإبراز الفروقات الهائلة بين الجانبين، وهو عندما يفيض في سرده يستقي ذلك من وفرة معلوماته حول الزراعة، الاختصاص الرديف الذي منح صاحبه استقلالية أوسع، ووفر له الأمان الحياتي، ووسع من رؤيته العملية وقدم له كنزاً من الرصد والمتابعة والتقصي، وأسبغ على عمله لوناً من واقع الزراعة ومشاكلها واستخلاص غاياتها وضرورة العناية بها وتطوير أدواتها، وهو بذلك يدفع بشهادة مرور إلى الحياة العملية الناجحة، وإرواء الروح الوطنية بدافع الفعل واللحاق بالأمم الأخرى في هذا المجال وغيره من المجالات الأخرى، موحياً بأن ما يستحضره هو عبارة عن أفكار خاضعة للنظر وقابلة للدرس والاعتبار، وأن ما يورده من جزئيات وتفاصيل تخدم البناء العام للرواية وتمنحها شيئاً من التكامل والانسجام.
ويعتبر هذا العمل من حيث تركيبته وغاياته من أدب الرحلات، الذي يهدف إلى تقديم مادة خصبة عن شخصية السكان وطبيعة الأرض التي يزورها البطل لمن لا يستطيع الوصول إلى هذه الأماكن التي جابها، وأمضى فيها أياماً كانت الوقود الحيوي الذي أشعل الرغبة لديه في رصد المفارقات الغريبة وإجراء التقابلات التي تحض على استيلاد الحس الإنساني، الذي يمكنه من التمييز بين ما هو خادع وصادق، وبين ما هو صحيح ومزور، وعدم التعصب القومي، والترفع عن استسهال الأمور والاستعجال في إطلاق الأحكام بدون روية.
والمؤلف في مسعاه يقترب من توطيد العلاقة بين الفكر والإحساس، وبناء روابط طبيعية بينه وبين سائر البشر من الأقوام الأخرى، وقد أسعفه في ذلك ما زخرت به حياته من تجارب وأسفار وتنقلات من مكان لأخر، واستخلاص الأفكار والرؤى من الوقائع الحساسة التي عايشها وكان لها أثر في مسيرته الشخصية والإبداعية.
في تقريظي لهذا العمل طغى الجانب الاجتماعي والمعرفي على دور التقييم الجمالي، وذلك لأن نزوع الكاتب الاجتماعي وتوتره وثراء المادة الحياتية وخصوبة المعلومات تلعب دوراً أساسياً في استثارة الجمهور وجذب القراء وشد انتباههم، واستحثات وجدانهم وأفكارهم ومواصلة قراءتهم للعمل الفني، ومع ذلك فإن الجانب الجمالي يظل الأساس المهم في تقييم الأثر الإبداعي وتحديد مكانته بين الأعمال الأخرى، وهو يستحق التوقف عنده وإيلاءه الاهتمام الضروري والكافي لتبيان توهج العمل الفني وكشف آليات تلقيه وأسرار نجاحه. فلو تناولنا مثلاً الواصفات الاجتماعية بارتباطها ببلاغة خطاب الشخوص فإن هذا يؤدي إلى تحديد الفكرة والتعبير عن سطوع كلمة المؤلف، ويشير إلى وحدة تجسيد الملابسات والملامح النموذجية ودينامية تطور الشخوص، ويبرز الفكرة المتحركة ومعاناة المؤلف في الوصول إلى غاياته وأهدافه.
ناقد من الأردن

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل