الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بين علي ومعاوية وبينهما عثمان

عبد الحميد المجالي

الخميس 15 حزيران / يونيو 2017.
عدد المقالات: 101

لو لم يكن للتاريخ امتدادات عصبية متفجرة لاتزال حاضرة بيننا، وتتفاعل في حاضرنا حروبا وانقسامات وطائفية، لما لجأنا للحديث في قضايا خلافية مثل ولاية الفقيه والخلافة الاسلامية والحرب بين علي كرم الله وجهه والصحابي معاوية بن ابي سفيان . و بما تلقيه هذه الحرب من مآس على واقعنا الحالي والمستقبلي، يخيل الينا وكأن فصولها قد جرت بالامس القريب، وليس قبل اكثر من اربعة عشر قرنا تغيرت فيها الاحوال والازمان والدول، ومعها الافكار والقناعات . 

ليس هدفنا هنا ان نعيب احدا او نمتدح اخر لاعادة الاعتبار له . فالمسالة رغم حضورها الطاغي على واقعنا الراهن الذي ياخذ شكلا طائفيا ، فهي في ذمة التاريخ والتراث، ولا نقول بشانها الا ما قاله الفقيه الحسن البصري  “ نرجئ امرهما الى الله ليحكم بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه والله خير الحاكمين “.

لم يكن هناك من اختلاف بين علي ومعاوية قبل مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه، غير ان فتنة مقتل الخليفة فجرت ابعادا سياسية وقبلية بين الخليفة الجديد علي كرم الله وجهه الذي بويع في ظروف استثنائية كانت فيها المدينة المنورة محتلة من المتمردين، والقضية التي كانت موضع مطالبات ونزاع، هي المطالبة بتسليم قتلة الخليفة وهو مطلب حق، غير ان عليا لم يكن يستطيع ان يلبي هذا الطلب في حينه، لان القتلة هم من يسيطر على عاصمة الدولة “ المدينة “ واي محاولة للمس بهم سيفسد كل شئ، بما في ذلك البيعة له بالخلافة، اخذين بعين الاعتبار ان شكوك انصار عثمان من ان بعض الصحابة ومنهم علي، ربما تواطئوا او غضوا الطرف عن ما يحدث لعثمان، رغم اربعين يوما من الحصار لبيته، ستزيد هذه الشكوك الوضع تعقيدا .

لم يشارك معاوية في معركة الجمل، غير ان هزيمة المطالبين بدم عثمان حركت لديه نوازع القبيلة كأموي لان عثمان كان امويا، كما وجد ان الفرصة مناسبة للتشكيك في خلافة علي، فهو السياسي المحنك الذي يعرف كيف يستغل الظروف لتلبية طموحه السياسي . لن نتعرض لتفاصيل الحروب الدموية بين الرجلين التي جرت بعد ذلك، فقد كانت كارثة على المسلمين بما ادت اليه من قتل عشرات بل مئات الالوف من ابناء الدين الواحد، ولكن السؤال الاهم هو لماذا انتصر معاوية وهزم علي ؟ 

الروايات السنية للتاريخ الاسلامي، تختزن عطفا كبيرا وعميقا على سيدنا علي ليس فقط لانه ابن عم النبي “ صلعم “وزوج ابنته، بل ايضا لسلوكه المستقيم وخلقيته الاسلامية النادرة المثال، وتاريخه الفذ في خدمة الاسلام والمسلمين، كما كان يحظى باحترام خاص من الرسول وصحابته لسلوكه ومعرفته العميقة بالدين، غير ان الضمير السني لايخفي امتعاضه من التردد والحيرة التي طبعت سلوكه خصوصا زمن الفتنة وعند التحكيم الذي لم يكن مضطرا اليه بل وقع في فخه رغم ان الحق كان معه . 

وبموضوعية، فان عليا كان رجل دين وعقيدة، ولم يكن رجل دولة وسياسه، وكان يتصرف في هذا الاطار متناسيا او متجاهلا متطلبات الدولة والسياسة، بعد ان شهد المجتمع الاسلامي تحولات جذرية اتخذت طابعا سياسيا صرفا تتطلب الخروج من اطار العقيدة المتشدد الى ممارسة السياسة، ومن امثلة ذلك ان العطاء السياسي كان من ثوابت السياسة في ذلك الوقت لكسب الانصار وشل الخصوم، وفي هذا المجال كان عليا متشددا، الى درجة ان اقرب الناس اليه لم يحتملوه فغادروه الى معاوية . وشواهد ذلك كثيرة منها : ان عقيل ابن ابي طالب قدم على اخيه علي بالكوفه فطلب منه ان يقضي دينه فرفض علي رفضا قاطعا، فغادره الى معاوية فاكرمه وقضى دينه وزاد، وكذلك فعل مع عبد الله بن عباس ابن عمه .

اضف الى ذلك كله الانقسام القبلي والشعبي بين انصار علي، حيث قرب الموالي اليه وابعد العرب، وزادت حربه الضروس ضد الخوارج، وتخلي اهم انصاره عنه في النهاية قبل اغتياله من قبل الخوارج، الوضع سوءا . 

وبالمقابل فان التاريخ السني يحوي بين سطوره احساسا بالارتياح لما قام به معاوية، لا لانه افضل من علي، بل لانه برهن على انه كان اكثر قدرة منه على التدبير وممارسة السياسة . اذ استطاع ان ينقذ دولة الاسلام من الانهيار التام، بل انه جدد شبابها باستئناف الفتوحات . ومن هنا نظروا الى ملك معاوية من الجوانب الايجابية فيه، بعد ان استطاع ان يلم شمل المسلمين وان يبني دولة قوية. وبصفاته الشخصية، كان داهية وحليما وكريما، وبنى اساس حكمه على قاعدة “شعرة معاوية” التي تعبر عن المرونة والحزم في ان واحد في ممارسة الحكم .

لقد اوجد معاوية عقدا سياسيا جديدا في الدولة الاسلامية . ومن بين فصول هذا العقد حرية التعبير . لقد كان المبدأ الذي قرره ، هو “ قولوا ما شئتم ولن اتدخل الا حينما ارى ان كلامكم يتحول الى عمل ضد الحكم “، ويقول “ لااحمل السيف على من لاسيف له “. اضف الى ذلك كله، عطاؤه السياسي السخي لمعارضيه وانصاره، وقدرته على اضعاف مراكز القوى القبليه والخصوم . لقد مارس معاوية السياسة في ظروف صعبة، واستطاع ان يفوز ويكتسب شرعية متعددة الجوانب، فهناك فرق بين ان يدير رجل دين دولة السياسة مبتعدا عن مقتضياتها، وان يدير رجل سياسة، دولة تحتاج الى السياسه، ولا يبتعد عن الدين . 

انه التاريخ والسياسة وتوابعهما المدمرة، التي يتم استدعاؤها اليوم، رغم انه من السخرية ومن المعيب ايضا، علينا كأمة اننا لانزال رغم مرور اربعة عشر قرنا نختلف بل ونقتتل حول من له الحق بالخلافة !.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش