الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الفرصة الثمينة التي أضاعتها الأحزاب عام 1991

محمد داودية

الأحد 11 حزيران / يونيو 2017.
عدد المقالات: 139

قرر الملك الحسين، طيب الله ثراه، غرس وتكريس تقاليد سياسية أردنية، قال اننا نريدها كما يمارسها العالم المتحضر، كاشفا عن عزمه إشراك القوى السياسية الاردنية، في صناعة القرار السياسي والاقتصادي، والتحلي بحقوق وواجبات الشريك، وتحمل المسؤوليات وحمل اعباء التنفيذ.
دعا الملك الحسين الأحزاب السياسية الأردنية الى اجتماع في الديوان الملكي، وامعانا منه رحمه الله، في إشاعة جو عائلي، كلّف المرحوم خالد المحادين مدير الإعلام والعلاقات العامة في الديوان الملكي آنذاك، فكتب لجلالته اسماء المدعوين حسب ترتيب جلوسهم. فوضع الملك «خريطة»  الأسماء امامه، واخذ يسمي كل طالب كلام باسمه الشخصي، تعبيرا عن الاحترام والتودد الهاشمي الفريد الرفيع المستوى.
افتتح جلالته الحديث مؤكدا على الشراكة وقيمها واسسها واهدافها وضرورتها. وقال ان الشعوب المتقدمة ذات التقاليد العريقة في العمل السياسي والحزبي، تلجأ الى توزيع الأدوار، بين الحُكم والمعارضة، على قاعدة التكامل، وعلى اسس من احترام الحُكم لبرامج الاحزاب وثوابتها، واحترام الاحزاب لواقع وظروف الحكم، دون تشكيك او تخوين أو إقصاء او إدناء.
اضفى الملك على الاجتماع، الذي حضره الأمير الكبير المرحوم زيد بن شاكر، رئيس الديوان الملكي آنذاك، وحضرته الأحزاب والشخصيات الوطنية الاردنية، أضفى الكثير من روحه الدافئة الطيبة، ومن بشاشته المتميزة، كان صوته العذب الفريد، يشيع روح الود والطمأنينة والثقة في المكان.
تحدث عن الاردن ومصالحه، التي تتحقق على اعلى مقدار، عندما تصبح هذه المصالح، هي مصلحة كل حزب اردني وتصبح همه الدائم.
حضر الإجتماع الدكتور اسحق الفرحان والدكتور عبد اللطيف عربيات وعزمي الخواجا ووليد عبد الهادي وتيسير الزبري وحضر المرحومون يعقوب زيادين وسليمان عرار واحمد النجداوي وعيسى مدانات وجمال الشاعر وحضرت ممثلا عن الحزب الوطني الديمقراطي الاردني.
كان الملك يخضع لضغوط امريكية هائلة، تشتد وتتعاظم، من اجل ان يقدم تنازلات في المسألة الفلسطينية، طالما ناور لرفضها.
ومن اجل رفع الضغوط الخطيرة المنصبة على  شخصه بالتحديد، استقوى بالبرلمان، متعللا بأن البرلمان يرفض التنازل عن قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية وعن حق العودة وعن القدس.
ولمزيد من الاستناد الى الشعب، في رفض الضغوط المخيفة، دعا رحمه الله، الاحزاب الاردنية المتحلقة حول الطاولة البيضاوية في الديوان الملكي الهاشمي، الى تحمل مسؤولياتها بكل حرية وجسارة، لرفض ما هو جائر وظالم، وقبول ما يمكن قبوله، على قاعدة ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كله.
كانت فكرة «توزيع الأدوار» تلك، فكرة حيوية ومسارا اردنيا جديدا، فيها الاحترام الكبير للقوى السياسية الاردنية، والاعتراف بها شريكا صاحب شأن وعلاقة، وكانت صيغة دفاعية وطنية، يعلن الملكُ وِفْقها، انه ليس حاكما مطلقا، وانه لا يقرر وحده، في موضوع قومي كبير، كذلك الموضوع. وان قواعد الصراع وموازين القوى الداخلية والاقليمية والدولية، تشهد تبدلات اساسية، يجدر ان تتم مراعاتها واحترامها، خشية ان يذهب الناس الى القنوط واليأس وحيث تقع حينها الاضطرابات والعواصف التي لا يمكن التنبؤ بتوقيتها ولا بحدودها.
كان واضحا ان خطرا داهما سينشأ على الملك وعلى النظام السياسي الاردني برمته، ان استمر الملك في المعاندة والممانعة والمماطلة في رفض الحلول السياسية المنفردة، وفي رفض التفريط والتنازل والتقاسم الوظيفي والخيار الاردني، وسوى ذلك من مشاريع اسرا- اميريكية لتصفية القضية الفلسطينية.
تحدث الاخوان المسلمون بوضوح وفصاحة ودون مراوغة، فتمنوا ان لا يتم الضغط عليهم، واعلنوا ان حدودهم واضحة، وانهم يناهضون وسيناهضون، الحلول السياسية لتعارضها مع مبادئهم ومع قناعاتهم، فأكد الملك على ان المطلوب، هو ان يتصرف كل حزب وِفْق قناعاته وبرامجه ورأي قواعده التنظيمية والشعبية، وذكر ان الإجماع مستحيلٌ ومتعذرٌ في العمل السياسي. وانه يتفهم موقفهم ويقبله ويحترمه. وكان أي متطلع الى وجه الملك، يدرك انه كان مغتبطا لموقف الاخوان الذي يمده بطاقة مناورة اضافية.
تحدث سليمان عرار ببلاغته ورحابته، فأكد على جلال فكرة الملك واهميتها، وعلى ضرورة المضي عميقا في المسار الديمقراطي، ونبه الى خطورة الفساد والى اهمية توفير المصدات القانونية لرياحه الزاحفة العاتية.
وتحدث الدكتور جمال الشاعر بوضوحه وتلقائيته وشجاعته، مطالبا بأن يتم احترام القانون والدستور من قبل الجميع، ومن كل اطراف المعادلة السياسية الاردنية، واشار الدكتور الشاعر الى ان الحركة السياسية الاردنية، هي حركة راشدة ناضجة، قادرة على تحمل مسؤولياتها بكفاءة.
حضرتُ الاجتماع، حاملا رزمة من الأفكار، التي أُقرت في اجتماع خاص لحزبنا، الذي كان من ابرز أشخاصه المرحوم مؤنس الرزاز ومازن الساكت وسمير حباشنة وزياد مطارنة واحمد الهباهبة ومحمد البشير وعلي الفلايلة ومحمد القيسي والمرحوم سامي المصري ومنذر مكاحلة والفنان محمد العبادي والمرحوم الكاتب بشيرهواري وموفق الرهايفة.
  تحدثتُ عن التعددية السياسية وعن قوانين الحريات العامة وقانون الاجتماعات العامة وعن الصحافة والمطبوعات والنشر ودعم الاحزاب وتمكينها من العمل وعن دور النقابات المهنية الايجابي المساند لرؤى جلالة الملك والمنسجم مع نهج «توزيع الأدوار».
تحدث عدد من القادة الحزبيين، فكان حديثهم عبارة عن اسئلة، تشبه اسئلة المؤتمر الصحافي، تعبرعن قلق بالغ على مصير منظمة التحرير الفلسطينية، والمخاوف من استهدافها ومن محاولة شطبها، فبرز وكأن الأحزاب الأردنية، هي رجع الصدى لمنظمات وتنظيمات وفصائل وأحزاب فلسطينية، بعضها ذو ارتباطات بانظمة عربية.
وبدا ان الهم الاردني ليس اولوية لها.
عندما انتهى الاجتماع، لم نلمس الاستياء المتوقع على وجه الملك السمح، فقد ظل محافظا على ابتسامة التي بدأ بها الاجتماع. صافَحَنا الملكُ «هاشا باشا» وغادر برفقة الأمير زيد بن شاكر، الذي كان تنفسه الغاضب كالزئير.
 دخلنا في تلاوم مرير، وانحى اكثرية الحضور باللائمة على من اخرج الاجتماع عن اهدافه وغاياته.
كان واضحا ان القوى السياسية الاردنية، تحتاج الى لقاءات ولقاءات فيما بينها، قبل ان تلتقي برأس الدولة، ليتحقق الحد الأدنى من الإنسجام وليتبلور البرنامج الوطني الاردني وشكله وحجم التداخل مع غيره من البرامج الاخرى.
 قلت في فاصل التلاوم ذاك:  لو اراد الملك ان يجتمع مع ممثلين عن الجبهتين الشعبية والديمقراطية، لما جلس معنا نحن، ولإجتمع مع جورج حبش ومع نايف حواتمة.
 وقلت حينها: لماذا سيجلس الملك مع الوكيل ما دام الاصيلُ مُتاحا، لماذا يجلس مع الشاويش اذا كان الجنرالُ متوفرا. وقد بلغني ان الجملة الاخيرة التي نقلها خالد محادين الى الملك قد لاقت استحسانه رحمه الله.
كان ذلك الاجتماع هو الاجتماع الاول، وكان ذلك الاجتماع هو الاجتماع الاخير.
كان جليا ان الملك «استقلّ خيرَنا»، وكان مؤكدا اننا اضعنا فرصة ثمينة عام 1991 وفّرها الملك العظيم ذو المكنون الديمقراطي والأفق الاسطوري والخيال السياسي الاستراتيجي والتكتيكي، الفائق المرونة والحكمة.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل