الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شروع بالقتل

ماهر ابو طير

الاثنين 5 حزيران / يونيو 2017.
عدد المقالات: 2476

ربما الكل يذكر الملف المدوي الذي فجره الوزير السابق، عبدالرحيم ملحس، حول الغذاء والدواء، حين قال إن «غذاءنا ودواءنا فاسدان».

القصة آنذاك ادت الى ردود فعل كبيرة جدا، بل ان بعض النواب، في التسعينيات، تفرغوا لشتم الوزير والتشكيك برواياته، باعتبار أن هذا الكلام يهدد الثقة العامة بالغذاء والدواء، وأنه يحمل مبالغة، وبدلا من الوقوف عند مضمون الكلام، تحولت القصة الى تصفية حسابات مع الرجل، الذي جاء بعد ذلك بسنوات، وزيرا، الى ان رحل عند خالقه.

لكننا كل يوم، نسمع عن قصة جديدة، فالغذاء الفاسد، ايا كان مصدره، موجود في كل مكان، ونسمع كل يومين، عن اتلاف اطنان من الاغذية المختلفة، موجودة في المخازن والمستودعات، لحوم، دواجن، وغير ذلك من مواد غذائية، يتم بيعها وهي فاسدة كليا او جزئيا، اضافة الى التلاعب بتواريخ الانتاج، وحملات التفتيش في كل المحافظات، تكشف يوميا، عن اغذية فاسدة، على مستوى المطاعم الصغيرة، وصولا الى المؤسسات الكبيرة.

هذا يعني ان الفساد، قد عم كل مكان، والكل يتورط به، الكبير والصغير، لكنك تسأل نفسك، بعيدا عن الرقابة والتعليمات، عن تلك الاخلاق التي تسمح لانسان، لا يريد ان يخسر ماله، ببيع طعام فاسد، او شبه فاسد، اعتقادا منه ان هذا لايضر، وان عدم خسارة ماله، اهم بكثير، مما قد يتعرض له الانسان، من اضرار.

المشكلة اليوم، ليست في ضعف الرقابة، او شدتها. المشكلة مشكلة ضمير غائب، واخلاق شبه منعدمة عند كثيرين، يسمحون لانفسهم بقتل الناس، بطعام فاسد، دون ان يعرف بعضهم ان الغذاء الفاسد قد يتسبب باضرار مع الوقت، وقد لا تكون مباشرة.

اذهبوا الى كل المناطق النائية، الى القرى، الى المخيمات، والى الاسواق الشعبية في المدن التي تبيع باسعار رخيصة، اذ إن احد اسباب بيع السلع بشكل رخيص، سواء اللحوم او الدواجن اوالمعلبات، وغيرها، يعود الى كونها فاسدة كليا او جزئيا، او تقترب من تاريخ نهايتها، ولااحد يعرف فعليا، ما إذا كانت هذه المقامرات بحياة الناس، لا تتسبب فعليا، بموت كثيرين، في بلد، يصحو فيه الناس، كل لحظة، على خبر موت لسبب أو آخر.

الكارثة الاهم، التي لايقف عندها احد، تتعلق بكون معايير قبول ادخال الاغذية، او معايير بيعها، معايير قديمة، فقد تغيرت اغلب هذه المعايير دوليا، وتغيرت اجهزة الفحص ايضا، ولو اخذنا عينة من الاغذية المباعة، وحاولنا ادخالها في اليوم ذاته الى اوروبا او اميركا، لسقطت في كل الفحوصات، ولما تم ادخالها، بما في ذلك الخضار والفواكه.

ربما المطلوب من الجهات الرسمية تشديد الرقابة، لكن الحكومات مهما بلغت قوتها، لن تكون قادرة على الدخول الى كل مخازن ومحلات البلد، في يوم واحد، ولن تكون قادرة على فحص كل سلعة تباع او تنتج، وماهو المطلوب حقا، ان يستيقظ الضمير، وان يعود من غيبته، لدى الاف المتورطين، في هكذا قصص، لان بيع الغذاء الفاسد، يعني شروعا بالقتل، بشكل او آخر، وتعجب امام قدرة انسان، ان يفعل ذلك بالناس، فيما ينام مطمئنا على اولاده، من تقلبات الزمن، وغدرات الايام والليالي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش