الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وما بدلوا تبديلا

تم نشره في الخميس 18 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً

(مهداة إلى شهداء الجيش العربي الذين عثر على رفاتهم قرب أسوار القدس قبل بضعة أسابيع)

د. خلود العموش *

بضعة قروش تنتسب إلى العام 1967 تناثرت بين حجارة الضريح الذي حفر على عجل بين الصخور، وشعار الجيش العربي ما زال لامعاً كما لو لم يكن قابعاً تحت كل هذا الركام من التراب والصخور عبر نحو خمسين عاماً، والبدلة الكاكي أخذت تتبدّى معالمها كلما أزاح الحاضرون بعض ذلك الركام من التراب.

أحد الحضور أخذ يسحب حجراً مستويَ الأطراف حفرت عليه يدٌ مثقلة عبارة ما، يقترب الحاضرون من الحجر، يترجمون الحروف التي تنتسب إلى مكان آخر من عالمٍ آخر من أفق آخر: «الشهيد .... العجرمي»، رائحة المسك عبقت في المكان، الحجارة المحيطة أرسلت تنهيدة للجلال والجمال وعبق الروح التي شقت آمادها بدماء البطولة. بضع دقائق رفات شهيد آخر، دقائق أخرى هذا شهيد ثالث.

على وميض الروح برقت أسماؤهم، وعلى زنابق حدائقها انتثرت دماؤهم، خطّوا للمجد أغنية من كوكب آخر، كوكب الشهادة الجميل، وعلى أسوار القدس كتبوا شهاداتهم ورووا أسطورة عشقهم، قطعوا إليها الفيافي والقفار واضعين الأرواح فوق الأكف، طرزوا على مناديلها أسماءهم بلون الدم والشهادة، وأرسلوا من سمائها المقدسة ألف تحية للسلط ومعان وإربد والزرقاء والكرك والعقبة، تحية معطرة بدماء الشهادة وملونة بوحدة المصير.

اليوم يعثر الناس على رفاتهم في مكان ما على ثرى القدس الذي يفوح بدماء الشهداء، لكن الأرواح معلقة في حواصل طير خضر منذ أمد بعيد من عام 1967، ربما كان أبي ورفاقه في السلاح قد مروا قربهم وقرأوا لهم الفاتحة ذات صباح من صباحات الجيش العربي الوضيئة.

أيها الأحبة، ما زالت القدس تحكي عشقكم وفداءكم، وما زالت ترى بنادقكم مشرعة للريح والغيث، تمطر سنابلها في كل حين بإذن ربها رطباً جنياً، غابت بعض حروف أسمائكم هنا، لكنها محفورة في سجل آخر لا تذوي فيه الحروف.

على بضع خطوات من المكان كان حمزة سيد الشهداء يرقب المشهد ويتلو يس، ويزهو بالرجال الرجال الذين لا ينتسبون إلا إلى الغار والمجد، قلوبهم مشدودة إلى عليين بسبب وثيق، وعلى الطرف الآخر كان في الركب معاذ وسائد وكانا يرددان مع الشهداء الأحياء قولة سعد بن الربيع رضي الله عنه بطل أحد الذي لفظ أنفاسه الطاهرة وهو يقول:

 «لا عذر لكم اليوم إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف» ويعيدون صياغتها من جديد:

«لا عذر لكم اليوم وكل يوم بل كل لحظة إن  خلص إلى وطنكم  وفيكم عين تطرف».

ما زالت الأرواحُ تحُّوم في المكان، وما زالت الأيدي المضرجة بالعشق والشهادة تكمل كتابة أسمائها بحروف من نور: «من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا». 

 

* عميدة كلية الآداب/ الجامعة الهاشمية

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل