الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثنائية الدنيا والآخرة

تم نشره في الجمعة 19 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

د. عصر محمد النصر

 

تتقلب الأفكار بين ثنائيات متعددة بحكم الفطرة التي ينشأ عليها الإنسان, أو البيئة التي يعيش فيها, أو العلم الذي يبلغه, وخلف هذه المؤثرات جملة من المبادئ الراسمة لحدود الفكر, والمؤثر في السلوك, ومن هذه الثنائيات, ثنائية الدنيا والآخرة, حيث تتشابك العلاقة بينهما, فيظهر على الواقع سؤال: أيهما يقدم ؟ وهذا السؤال وإن كان واسع الدلالة بحيث تكتب فيه إجابات كثيرة, إلا أنه محكوم بسياقات وتصورات, تؤثر في النظر والحكم, وفي سياق الإجابة عن هذا السؤال تُذكر جملة من المفاهيم كالزهد والورع, والعمارة, والمتعة, وغيرها من المفاهيم, وفي فهمها والعمل بها اختلاف منتشر بين الناس محكوم بتصور كلٍ عن الحياة والآخرة.

قدم الإسلام رؤية وتصورا عن العلاقة بين الدنيا والآخرة تمثلت بخصائص لم تكن لغيره على التمام والكمال, من ذلك الشمول, حيث تبدأ العلاقة من خلق الإنسان من طين وما لذلك من أثر على طبعه وعلاقته مع الأرض, ثم إكرامه وسجود الملائكة له, وأكله من شجر الجنة وإهباطه إلى الأرض, ثم استقراره فيها وتمتعه فيها إلى حين, ثم خروجه منها, وما بين تلك المراحل من تفاصيل وأحكام, حتى وكأن الإنسان ينظر إلى موضع كل خطوة يخطوها وكل موقف يمر به, كما تميزت بالواقعية؛ فهي تراعي حاجة الإنسان وتعلقه بالدنيا, فلا تطالبه بتركها كلية كما تنهاه عن الركون إليها, وبين هذين كمال النظرة والسلوك, وبه استقامة الأمر, حيث يعطي للروح حقها من الذكر والفكر والتأمل وللجسد حقه من الطعام والشراب والنوم واللذة, وفي الحديث :” إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا “( صحيح), ومن تأمل نصوص الشرع رأى شدة عنايته بهذه الثنائية وحرصه على التوفيق بينهما, من ذلك قوله تعالى :” وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ “( القصص, الآية 77), وفي الحديث :” أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي”( البخاري), وقد راعى الشرع في تعامله مع ثنائية الدنيا والآخرة المقاصد الكبرى لخلق الإنسان, ولبيان هذا نعود إلى السؤال السابق : أيهما يقدم ؟ فالشرع يجعل الدنيا والآخرة في سياق واحد, وينصب لذلك ميزان العدل, فيضع الأمور في نصابها, واصل ذلك أن الدنيا والآخرة من خلق الله, وهما في طاعة دائمة له, فالعلاقة بينهما يحكمها شرعه, والدنيا في نظر الشرع مطية للآخرة ووسيلة لها, يقول ابن خلدون –رحمه الله- :” وأعلم أن الدنيا كلها وأحوالها عند الشارع مطية للآخرة, ومن فقد المطية فقد الوصول “( المقدمة ص235), وهذا فقه جليل, فإن كانت الدنيا مطية ووسيلة للآخرة, فلا بد من الإحسان للمطية وحسن التعامل معها, وفي هذا السياق أعني سياق أن تكون الدنيا مطية للآخرة وكون ذلك مقصدا من مقاصد الشرع, يأتي ذم أحوال وصفات في الدنيا :” فليس مراده فيما ينهى عنه أو يذمه من أفعال البشر أو يندب إلى تركه وإهماله بالكلية أو اقتلاعه من أصله, وتعطيل القوى التي ينشأ عليها بالكلية؛ إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهد الاستطاعة, حتى تصير المقاصد كلها حقا وتتحد الوجهة “( المقدمة ص235), فإذا تقرر لنا ما سبق علمنا جواز الأخذ من الدنيا بنصيب ولو زاد واتسع, ما دام أنه في طاعة الله سبحانه بعيدا عن الإسراف والتبذير وكل محرم, ومن تأمل أحوال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما ملكوه من الدنيا مع ما كان لهم  من تدين, و عَلِمَ ما ورد في حقهم من شهادة من الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم, علم صدق ما تقدم, وإنما حصل الخلل بعد ذلك الجيل عندما فُهم الزهد بأنه ترك الدنيا كلية, وقطع الأسباب وليس ذلك من الشرع أبدا, وقد تسلل هذا المفهوم بما حمله من مضامين غير صحيحة إلى الخطاب الوعظي بما انعكس على إرادة كثير من الناس, وأصبح البديل عن مظاهر التقدم الحضاري, وأحيانا في سياق علاج المشاكل الاقتصادية, وهذا لا شك أنه من الأخطاء التي تحتاج إلى مراجعة, وأما باب الورع فهو باب واسع يأتي في سياق تدين العبد وما يراه أقرب لقلبه, والناس في هذا تتفاوت تفاوتا كبيرا :” وهذا؛ لأن الطباع لا تتساوى, فرب شخص يصلح على خشونة العيش, وآخر لا يصلح على ذلك, ولا يجوز لأحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو, غير أن لنا ضابطا هو الشرع, فيه الرخصة وفيه العزيمة “( صيد الخاطر ص77), وأما في مفهوم العمارة والمتعة وما بينهما من نهضة وحضارة, فأول مظهر يبدو فيها هو ما تشترك فيه الأمم من بناء وصناعة وعلم, وهو جهد يفخر به الجميع, إلا أن لكل أمة ما يميزها في العمارة والحضارة :” فعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني, هو الذي تتميز به الأمة المؤمنة عن سائر الأمم, وإن اشتركا في العمارة من حيث هي جهد مبذول, وفن, وبراعة في الإخراج, وحين ننظر من هذه الزاوية يطالعنا لأول وهلة أنها تأخذ الإنسان بمجموعه المتكامل : جسده وروحه, دنياه وآخرته, قيمه وأخلاقه, في توازن ملحوظ “( واقعنا المعاصر ص108).

وفي الختام؛ فإن الدنيا والآخرة من خلق الله سبحانه, سخرهما لعباده, وهما بما فيهما من أحوال محكومتان بشرعه وأمره, لا يخرج شيء من أحوالهما عن ذلك, وإنما الشأن في حسن الجمع بينهما وفهم مقصد الشرع والعمل به.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل