الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في رحلة العمر

تم نشره في الأربعاء 17 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

  رانة نزّال

الذَّاكرة الانتقائيةُ التي كلّما تقدَّم بي العُمرُ، تيقْنتُ من أنّها درعنا الحصينُ ضد الغُبنِ والظُلم والإجحاف، وأنّها النّوارةُ التي تُسعفُ قلوبنا وأرواحنَا، فَنُهلِّلُ بأهازيج الفَرَحِ والغِبطةِ، ولعلنا نقنعُ أنفسنا بأنّنا نحاولُ أن نفعلَ ما هو صائبٌ، ونفعِّلَ في أعمارنا دوافعَ الخيرِ والعطاءِ والنُّبلِ والرّجاء لكلِّ ما هو جيدٌ وحنونٌ ودافئٌ ومفيدٌ. وعلى أبوابِ الخمسين أذكرُ، في ما أذكر، نتفُ الحكايا التي تَقْصُّها أمي على مسمعي.. لمّا كُنتُ أغارُ على حضنها، فأقرّبُ خيطاً قطنياً من جسم أخي سامر الغضّ، وأحاكي، وأنا ابنةُ الثالثة، صوتَ الأفعى وأقولُ هذه الأفعى جاءت لتلدغه، ما هذا الشَّرُّ الكامنُ فينا.. من أين يأتي ونحن صغارٌ نلثغُ بالحرفِ.. أمتوطّنٌ فينا هو؟ ورحلتنا هي محاولةُ التّدّربِ على ما هو سواه؟ لا أدري.

على أبواب الخمسين من العُمرِ... أعرفُ أنّ كُلَّ يومِ هو محنةٌ.. محنةُ العارفين ظلامَ الزّمان.. وهو فسحةٌ، كُلُّ فجرٍ يتنفّسُ هو فسحةٌ.. مساحةٌ بيضاءُ من الفلِّ والرياحين.. ولنا أن نخطَّ على بياضِها ما نشاء.. أعرف بعد خمسين سنةً أنّي تلقيتُ علومي الأولى من جان جنيه ونيتشة، فلقد حفرا عميقاً في روحي.. وأصابني منهما سخطٌ، نزقٌ وحروفٌ غاضبة.. واحتجتُ عمراً وإبحاراً في ملكوتِ العشقِ الصُّوفي علّي أشفىَ؟

أذكرُ، في ما أذكرُ.. أنّي صَمَتُّ دهراً عقب الدّفتر الأسود الذي صار صندوقَ عمري الأسود، وشكَّل خريطةَ العُمرِ.. هضابَهُ وتلالهُ ووديانهُ، وسأظَلُّ عمراً أحاول أن أُجانبَ حفرياتهِ في عمري.

على أبواب الخمسين فقط أسألُ، ونحنُ جميعاً نتقدّم بثقةٍ نحو الموتِ الحتميِّ، حقيقةِ الحياةِ الوحيدة.. وسيحصل يوماً أن يتناقلَ هذا الفضاءُ الأزرقُ خبرَ موتي.. فما سيقولُ من عرفني ومن لم يعرفني فيّ، عرفني بمعنى القُربِ ولم يعرفني بمعنى المعرفةِ بغيرِ قرب.. ولكليهما أقولُ سامحوني.. أتوسلُ إليكم التقطوا الزّجاجةَ التي أُلقيتُ في عرضِ المحيط هنا في سان فرانسيسكو، حيثُ الهنودُ الحمرُ الأوائل، عشّاقُ الشّمسِ وأبناءُ التراب.. وفيها أقرؤوا طلبي الشجاعَ، كثيراً ضللتُ ودوماً تهتُ، فهذه الرّحلةُ في الحياةِ لولا فسحةُ الأملِ والرّجاء في الغد بأن يكونَ أجملَ، وهو كذلك أجملُ وأروعُ من أمسنا.

على أبواب الخمسين، أمُدُّ يَدَ الوفاءِ لكلّ من أعانَ هذا الرّوحَ في رحلتهِ ودربه، وأقول لولاك عافاك ما ظَلَّ بهذا المُضنى أمل.

على أبوابِ الخمسين، تيقّنتُ من أن اللسانَ مربطُ الفرسِ وبيتُ الدّاء، وأن اليدَ رسولُ الملاكِ أو الشيطان، وأن ضابطها القلبُ والعقلُ معاً. عرفتُ أنّنا نحصُدُ ما يزرعُ سوانا فينا، وذا فضل، حزنتُ وأنا من مرّتْ على السوادِ إذ ارتديتُ الخمارَ، لا خياراً بل قصْراً وأنا ابنةُ التاسعة؛ إذ ولدتُ في السعوديةِ، طائفِها وبكتها، ومدينتها كانت مرابعَ طفولة الوعي الأول. وحاضرةً في دمي صديقتي اليمنيةُ السعوديةُ التي كانت تحكي اللهجةَ الفلسطينية، وكان والدها من أوائلِ العرب الذين تطوّعوا في جيشِ العرب ووقفوا على حدودِ مثلث قباطية. فيا منى أين مِنّا فلسطين؟

على أبوابِ الخمسين، لا أملكُ للقدسِ إلاّ دعاءً  يصغِرُ باهتاً: أنْ يا يا ربُ اغفرْ لي قصوري، فما باليدِ حيلة، وأنْ يا ربُّ لا خوفَ على البيت وأنت رَبّه.

ثم تمليتُ في ضعفي كأنثى، وقهري كعربية، وغيظي كإنسانةٍ، فداويتُ الرّوحَ بالتي كانت هي الدّاءُ المزيّنُ الفوضى في وجه السّواد، وفقط اللّسانُ العربيُّ والحرف العربي أحياني بعد مَوّات طال، فتعلقته وتعشّقته، وعرفتُ يقيناً أنّي المحظيةُ، على الرغم من عطالةِ الرّوحِ العربي، بعروبتي وفلسطينيتي وأنوثتي، حيثُ دعاءُ جدّتي آمنة أنْ يا ربُّ اجْعَلني مظلوماً لا ظالماً.

على أبوابِ الخمسين، وأنا أكتبُ أكثرَ ما أكتبُ على صفحات هذا الفضاءِ الأزرق، النّعيَ تلو النّعيِ للأحبابِ والأصدقاء. يوماً سيأتي دوري فَأُنعى، فالسّماحَ السّماحَ. والحبُّ كُلُّ الحبِّ لأمي وأبي اللذين منحاني، بعد ربي، الحقَّ في الحياة، فيا ربُّ اجعلْ حياتي حُبَّاً فيك، ولك وحدكَ لا شريكَ لك. 

 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل