الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

القفز الى المستقبل

د. صلاح الدين أبو الرُّب

الأربعاء 10 أيار / مايو 2017.
عدد المقالات: 70

يلاحظ الإنسان العادي التسارع في التطور في آليات ووسائل التعامل مع الحضارة الحالية، في كل مناحي الحياة، ويلاحظ التطور في استعمال أجهزتها المختلفة، والسعي لراحة الانسان لايصال المعلومة وزرعها بعقله، بارادته أو بدونها .

    وبمقارنة بسيطة مع الزمان الذي يعتبره جيل اليوم زمانا قديما، وهو في الواقع لا يتعدى الماضي البسيط، وفي سنوات معدودة نلاحظ القفزات السريعة في التعامل مع الاجهزة، وكنا نراها معقدة، ومازال البعض يراها كذلك، بل وهناك من يرفضها ويحاول ان يحاربها، لانه لا يستطيع ان يجاريها ويقننها لتجاوز مخاطرها، وهذه الاجهزة في المقابل عند ابناء هذا الجيل؛ اطفاله وشبابه هي بسيطة كتناول الكعك المحلى .

     لو عدنا لنتذكر ذاك الاختراع الجبار الذي قلب الموازين، وغير الكثير من العادات، انه جهاز التلفزيون، العدو الحديث للراديو، والذي سيطر على وقتنا كاملا وبطول ساعات بثه التي كانت محدودة، ونذكر ايامها كيف حرّم البعض دخوله، أو التعامل معه، بل أعتبره البعض هو بعينه صاحب العين الواحدة الأعور الدجال، وبقي الجيل معه وسحب الاباء والاجداد، وبدأت بعض الجدات تتحرر من غطاء رأسها امامه، ببعض الاقتناع بان رجل الاخبار لا يراها كما تراه، وخرجنا من احلام النوم، لنحلم من خلال جهاز التلفزيون، ومرت فترة طويلة لنتحول الى البث الملون، وفترة اقل لنشاهد بث الدول المجاورة، وتعلو اسطح المنازل شبكات اللاقط، وفترة اسرع لنتحول الى الفضائيات، لتظهر الصحون وتصغر شيئا فشيئا وهي في طريقها لتختفي من جديد، كما أختفى جهاز الراديو الذي كان يعتبره الاجداد اهم وسيلة من وسائل الحضارة ايامهم.

      ومثل ذلك وسائل التصوير، من الكاميرا العادية الساحرة، الى الفيديو بأشكال كثيرة وتسارع في التطور، وكذلك جهاز التلفون الذي كان مفخرة المنزل الذي يصل اليه، ليصبح جهازا صغيرا في جيب كل طفل في الشارع، بل يقفز ليحتوي كل اجهزة المنزل بلا استثناء، فهو الان المرشد والمعلم وصاحب التسلية واللعب وانواع اللهو، يشمل أسس الحضارة الراقية والمنحلة على حد سواء.

         خلال هذه القفزات السريعة في الاجهزة، التي نذكر بعضها وننسى غيرها، كنا نغادر هذا التسارع الحضاري لنجلس أمام أصحاب العلم والمعرفة، امام مدرسينا الافاضل، لنسمع منهم علمهم، ينقلونه لنا باسلوبهم الجميل أحيانا والمرعب أحيانا اخرى، بصراخ بعضهم علينا احيانا، وبأسلوب ممتع من بعضهم أحيانا أخرى، نحب بعضهم ولا نحب البعض وهذه سنة الحياة، كنا نعترض بخوف، وننفذ الأمر طواعية أو كرها، لتسير بنا الايام كما يريد الوالدان الأكرمان، وندخل الجامعات وهي قبلة الشباب في ذلك الوقت .

       فما الذي اختلف في امر التعليم؟ لا نجد الا اختلاف عقلية الطالب، وأسلوب تفكيره، وتعامله مع الادوات، ومعرفته خارج المنهاج، أما التعليم فما زال يتم بالاسلوب والطريقة أنفسهما، و بالمقاعد نفسها باشكالها الصفية الروتينية المقيدة للحركة، أو بقاعات محاضرات واسعة تتسع لاعداد كبيرة، المهم فيها الانتظام والجلوس والسكوت، تعلم الطالب أم لم يتعلم، والمهم ان يرى بعض المدرسين، كتب الطالب والقراطيس التي مازالت عنوان الطالب النجيب .

مع هذا التسارع الشديد والسريع لكل اليات التعامل مع الحضارة، مازلنا نجد الأطفال والشباب، ما زالوا يغادرون وسائل الحضارة يوميا، ليذهبوا لمدارسهم بنفس الاطار القديم جدا والبطىء جدا والممل جدا، ليتعاملوا بالطريقة القديمة نفسها، التي كنا نحاول ان نعترض عليها، تتكرر مع وجوه شابة جديدة من المدرسين، يبدوا انهم دخلوا هذا المجال لظروف المعدل والدراسة ثم البحث عن لقمة العيش .

      ويسألنا الشباب، لماذا نجد من حولنا التطور يشمل جميع مناحي الحياة، ويغير جميع صورها، ليقف صامتا امام وسائل التعليم التي لم تتغير عن الماضي البعيد، بل ازدادت صعوبة، وازداد التباعد بين الطالب والمعلم، واتسعت الهوة بين العلم الذي يتلقاه الطالب في مدرسته وجامعته، والعلم الذي يتعلمه من خلال الوسائل الحديثة الذي يأتيه سهلا ميسرا جميلا منمقا، تأتي المعلومة الى الطالب ولا يسعى اليها الطالب في الغالب، تأتيه بلهو ولعب وتخطيط وتنسيق من عقول أخرى لا نعلم عنها شيئا، ليتلقاها بسهولة وتثبت فلا ينساها، دون رقابة ودون متابعة .

    هذه الصورة التعليمية النمطية تكاد تعم عالمنا العربي في جميع مستويات التعليم وبكل اشكاله، بل والغريب ايضا انني سمعت عن حصص تعليمية ياخذها طلاب المدارس عن الحاسوب نظريا بلا استخدام الحاسوب أصلا، فيحفظونها بعنفها وتجريدها ويلفظونها يوم الامتحان دون ان يشعروا بالرابط بينها وبين ذالك الجهاز الذي يلعبون به بالمنزل.

    كانت العملية التعليمية قديما مسلية وجميلة لما يتخللها من ساعات غير منهجية وتماشيها مع تطور الحياة البسيط والهادىء، واعتقد اليوم بأن الشكوى تأتي من خلو البرنامج التعليمي من أي وسيلة من وسائل الاستمتاع، وتباعدها عن وسائل الحضارة، لدرجة ان ادخال اي جهاز خلوي او لاب توب أو أي باد يعتبر كافيا احيانا لطرد الطالب ومنعه من الجلوس مع زملائه، الا نحتاج فعليا الى قراءة متأنية للواقع التعليمي ليتسع فيشمل الأليات وسرعة التطور، وطرق تفكير الجيل الحديث الذي نتحدث معه عن الماضي، ونعتبره بعيدا وهو يعيشه فعليا كل يوم في مدرسته وجامعته ..مجرد وجهة نظر لفت انتباهي اليها شريط فيديو ينتشر سريعا يتكلم عن التعليم قديما وحديثا ... فهل يسمح لي الجيل الجديد ان احدد له بمفردي المسار الحديث .... وعليكم السلام

drosalah@hotmail.com

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل