الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

زيد حمزة «بين الطب والصحافة»

تم نشره في الثلاثاء 2 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

 د. ماهر الصراف

ضمن اهتمامها بأعلام الأدب والفكر والمعرفة، نشرت الدستور قبل أيام مداخلة د. زياد أبولبن «رئيس رابطة الكتاب الأردنيين» على كتاب د. زيد حمزة (بين الطب والصحافة) التي ألقاها في مؤسسة عبد الحميد شومان، الأمر الذي استفزني وجعلني أذكر د. زياد أن أكثر من 200 من أعلام الفكر والأدب في الرابطة لم يتخصصوا في اللغة العربية وآدابها، وهم أعضاء في نقابات مهنية عديدة: أطباء، وصيادلة، وممرضون، ومهندسون، ومقاولون، ومحاسبون، وصحفيون، وفنانون.. ولن ننسى أن الروائي العربي الكبير حنا مينا كان حلاقا، وأن المسرحي الأردني جبريل الشيخ يفتخر بأنه كان حجـّارا.. مغتنما هذه الفرصة لأقدم هنا مداخلتي في الندوة نفسها، والتي بدأت بمطالبة د. زيد حمزة بعدم الظن بأنه تطاول على مقام أدباءٍ أطباء وزملاء عرفهم، بعد أن خاضوا تجربة المزج بين العمل الطبي والفكر الاجتماعي والأدبي والفلسفي قبله من مثل: صلاح حافظ، ويوسف إدريس، ومصطفى محمود، حسب ما أورده في مقدمة الجزء الأول لهذا الكتاب، مـُذكرا، أن الساحة الأدبية والعلمية الأردنية، أنجبت أطباء كـُتاب وأدباء ومفكرين قوميين وأمميين كان لهم الفضل الكبير في الحراك الفكري والوطني الذي شهدته المملكة في النصف الثاني من القرن الماضي، قبل رحيلهم، إلى جانب الدكتور زيد حمزة ، منهم: د. منيف الرزاز، د. يعقوب زيادين، د.عبد الرحمن شقير، وعلى الصعيد العربي لا ننسى الأطباء الأدباء:عبد السلام العجيلي، وابراهيم ناجي.

إن كثيرين لا يعلمون أنه حتى منتصف القرن الماضي، كان ممنوعاً على أي طالب أن يلتحق بكلية الطب في بعض الدول الأوروبية، إلا إذا كان قد حصل قبل ذلك على شهادة جامعية في الفلسفة.فقبل أن يتحول الطب إلى مـُركـّب من علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والتقنيات الحديثة، كان الطبيب يعالج مريضه بخبرته ثم بفلسفته ثم بشعوره. وقد قال الفيلسوف الهليني «بلوتارك « في قواعد الصحة: «إن الفلسفة والطب حلقتان تقعان في الميدان نفسه».

وكان الدكتور زيد حمزة في طليعة الذين عملوا على ترسيخ هذا المفهوم، حين طالب عام 1991 في مؤتمر عـُقد في كيبك بكندا، تحت شعار «العمل على توجيه دراسة الطب لخدمة المجتمع»،بإعادة الطب إلى مساره الاجتماعي . وضمن السياق نفسه، كتب عن مؤتمر آخر كان قد عقد في القاهرة تحت عنوان:» الزيادة  السكانية في العالم «، مُركزا على العالم الثالث، لما للزيادة السكانية من تأثير على مستوى حياة السكان الاجتماعية والاقتصادية فيه، وقد أيـّد بجرأته المعهودة قرارات ذلك المؤتمر.

ولا شك أن الفكر والمعتقدات السائدة في الحياة الحديثة، قد ساقته إلى التعريفات الجديدة، من مثل :إطالة الحياة، ونوعية الحياة، فتحدث في إحدى مقالاته عن «كاليفانو»، الذي كان قد أطلق على الفترة الأخيرة قبل الموت من حياة الإنسان:» فترة إطالة الموت»، ذلك أن الإنسان في تلك الفترة، يعيش فترة انتصار لموته.

ونجد أنفسنا هنا مضطرين للطلب من د. زيد أن يتعرض لما يتعرض له العالم من نقاش حول: «تقييد الموت»، بدلاً من إطالته، وهو «الموت الرحيم»، الذي أصبح مسموحاً في كل من هولندا وسياتل ودول أخرى.

ومن منظوره الاجتماعي، بقي د. زيد حمزة، على موقفه من الرعاية الصحية الأولية، وخاصة: التطعيم، وإضافة اليود إلى ملح الطعام، ورفض الانزلاق في بناء مستشفيات علاجية كبيرة، في حين أن الخدمات الصحية والأولية والأساسية غير متوافرة للمواطنين، على امتداد جغرافية الأردن، وقد نجح في ذلك،وما زلت أتذكر معاركه الكبيرة على هذا الصعيد، على صفحات الجرائد.

كان د. زيد جريئا في انتقاده للصحافة لقيامها بنشر أخبار اكتشافات علمية جديدة، وإدخال فحوصات  وعمليات جراحية إلى الأردن، دون التأكد من صحتها، أو التعرف على مدى فعاليتها، وعمَا إذا كانت قد حصلت على الاعتراف العالمي بها، بهدف حماية الإنسان، من المعلومات غير الصحيحة، أو غير الموثقة،  في هذا الحقل الهام.

وبالإضافة إلى عشقه للغة العربية، فقد وقف د. زيد مدافعا عن لغته من قبل مؤيدي هجمة اللغة الإنجليزية على الطب، وعلى أطبائنا، وقد ذكـّرني نقده لعدم تعريب الطب، بمحاضرة طبية ألقيتها في اليونان باللغة الإنجليزية، في حين كان اليونانيون فيما بينهم يحاضرون بلغتهم، وعندما سألت رئيس المؤتمر: لماذا لا يكون المؤتمر كاملا باللغة الإنجليزية؟ سألني مندهشا: هل تريدهم أن يـُقيلوني من مركزي؟ أسفت لمؤتمراتنا الطبية،التي تـُعقد باللغة الانجليزية، حتى لو لم  يحضرها أي أجنبي، ففيها تموت اللغة العربية وتشوه اللغة الانجليزية.

وأضيف هنا، أنني رشـّحت عدة مقالات من كتاب طبيبنا المفكر، ثم رشحت احدها لجائزة، ففاز ذلك المقال الصادم الموقظ من السبات، والمبكي في الوقت نفسه، وهو المقال المعنون:»من مندل إلى ويلموت»، أي من اكتشاف قوانين مندل الوراثية إلى ولادة شاه ويلموت الاستنساخية، ويصفها الدكتور حمزة، برحلة علم عمرها مائة عام، فأخذتني هذه الرحلة الجغرافية، ودون وعي مني، إلى ماركيز في روايته:»مائة عام من العزلة»، وإذ بي أعود مسرعا إلى ديارنا، عبر مائة عام من العزلة العقلية المؤلمة.

لا شك أننا نحتاج إلى ساعات عمل طويلة للحديث عن هذا الكتاب، القائم على العلم والجرأة، ولا اذكر من بين مئات المقالات، إلا مقالا واحدا لم يذكر الدكتور زيد فيه الأشياء بأسمائها، أو على الأقل بأسمائها الواضحة، كما تعودنا عليه، وقد تحدثت معه آنذاك حول ذلك المقال، إن صراحة الدكتور زيد وجرأته، مشهود لهما، الأمر الذي جعل من علمه في الطب، الممزوج بعمق تفكيره الاجتماعي، مدرسة قائمة بذاتها، وهذا ما جعل لموقعه في السياسات الصحية، نكهة مختلفة، لا سيما  وأنها ممزوجة بانجازات لا تنسى، وما زالت مؤثرة في وزارة الصحة، وأختم بالقول: حين تسلـّم د. زيد وزارة الصحة، لم أقم بتهنئته، لكنني كنت أول الزائرين له حين استقالت الوزارة لأشكره على إنجازاته الكبيرة. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش