الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الاستشراق والعلاقة مع الآخر

د. صلاح الدين أبو الرُّب

الأحد 30 نيسان / أبريل 2017.
عدد المقالات: 72

يقول المحللون والباحثون عن الاستشراق بأنه كان ومازال له أثر كبير في العالمين الغربي و الإسلامي، ففي العالم الغربي لم يعد في وسع أحد أن يكتب عن الشرق أو يفكر فيه أو يمارس فعلاً مرتبطاً به، دون أن يتخلص من الأطر التي فرضها الاستشراق على  الفكر والبحث حول الشرق العربي والعالم الاسلامي، وعلينا ان نقر بان نتاج الاستشراق الذي تم في السابق من الايام، شكل جزءا هاما في  قضية الصراع الحضاري بين العالمين الإسلامي و الغربي، وأنه يمثل بصورة أو بأخرى الخلفية الفكرية لهذا الصراع، بما احتوى من بعض المغالطات  المقصودة أو غير المقصودة.

الاستشراق  حسب ما تم التعارف عليه، يطلق على عمليات البحث والدراسة للنتاج الفكري والثقافي  والتاريخي والسياسي لمنطقة الشرق العربي والاسلامي،والتي تشمل حضارته وأديانه ومذاهبه وآدابه ولغاته وثقافته وحركاته السياسية والاجتماعيه، وهو أمر ليس بالسهل وعلى القائمين عليه ان يكونوا ملمين بدقائق الامور، ولكن طبيعة الاحداث وتطورها جعلت الأمر يوكل لغير  ابناء المنطقة، فكانت جماعات المستشرقين،وهم من غير اهل المنطقه، وأكثرهم لم يعش بها أو يتقن لغتها، نقلت تلك المجموعات لابناء الغرب ومفكريه وسياسيه وحتى العامة من القراء نتاج دراساتهم، على انها دراسات مدعمة علمية لا يحوم حولها أي شك، والحقيقة تقول بأن العديد منهم دخل الهوى وخلفياتهم السياسية والثقافية في آلية بحثهم، فأثرت ايما تأثير بنتاجهم،فكان يبدو أحيانا وكأنه أعد مسبقا، فلم تكن صورة تاريخ وفكر العرب والمسلمين هي الصورة الحقيقة بل الصورة التي يريدون .

ان كتابة التاريخ بشكل عام، وبلغة ادبية تحليلية  تتأثر كثيرا برأي الكاتب، وهذا امر يختلف عن التأريخ، أو تدوين الأحداث الذي يتم فيه رصد الحدث وتدوينه كما هو بدون اضافات،وهذه من مهام الاعلام في هذه الايام، الذي يعاني من قفز التحليل ليأخذ الصدارة متجاوزا رصد الخبر بذاته، وحتى في رصد الخبر نجده احيانا ينقل الخبر كأنه الحقيقة الكاملة وهو في الواقع احدى وجهتي الحقيقة، وهذا بلا شك استمرار لنهج الاستشراق الذي ينقل ما يريد بالشكل الذي يريد.

في البحث في تاريخ المستشرقين نجد ان بعضهم كان يؤمن بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فلم يكن همهم اكتشاف الحقيقة وتقديمها كما هي، بل كان بعضهم يهتم بنقل الصورة التي يريد حول منطقة الشرق وحول الدين الاسلامي، ثم يحللها كما يريد أن يفهمها، لا كما فهمها، فيجزئ الحقائق ويعدل في بعض الوقائع، وأستغلوا بذلك جميع وسائل ايصال المعلومات والأخبار وحتى يومنا، فكانت من اهم وسائل الاستشراق الموجه للإعلام والصحافة بفروعها المختلفة، والتي سيطرت عليه القوى الصهيونية ومن دار بفلكهم، واستغلوا السينما والافلام ثم التلفاز والقنوات الفضائية،ثم الانترنت وما احتوى من معلومات، تم استغلالها لتشويه صورة الاسلام والمسلمين والتشكيك في صفات الله جل وعلا ووحدانيته وفي النبي صلى الله عليه وسلم وقراراته ، وكانت محاولات التشكيك في القرأن الكريم  من خلال إشاعات التزوير، فظهرت حالات الاسلاموفوبيا.

ثم ظهرت محاولات عديدة للتواصل بين الحضارات، وبرزت شعارات العيش المشترك والتعايش الحضاري،  فكانت حركة قوية لها مؤيدون ومريدون كثر أغلبهم من أهل العرب والمسلمين، وظهرت محاولات جادة لتعديل أثر الاستشراق الذي كان من وسائل الحوارات السابقة الفاشلة نسبيا، بل المتسببة في دخول افكار الاسلاموفوبيا ثم محاربة الاسلام وفكره.

الا اننا لا  نستطيع ان ندعي أن كل المستشرقين كانت أهدافهم هي إتهام الدين الإسلامي واختراقه، وتشويه صورته،ونقل نصوصه بصورة محرفة، فنجد ان هناك عددا من المستشرقين بهرتهم وأقنعتهم روعة الإسلام و أحكامه فكتبوا عنه بطريقة جيدة، وان كان ينقصها الفهم الدقيق للغة العربية وتصريفات الفاظها، ويرى البعض ان هناك من الباحثين العرب والمسلمين الذين أتموا دراساتهم في أوربا، تركوا بدون قصد أحيانا،آثارا سيئة في التحليل التاريخي للتاريخ والفكر والفلسفة الإسلامية .

ان مسؤلية ايقاف ظاهرة الشد العكسي ضد الحضارة العربية والاسلامية   يتحمل مسؤليتها اصحاب الفكر واهل الثقافة من ابناء المنطقة، وعلينا ونحن في ظلال معجزة الاسراء والمعراج أن نقر بأننا لم ننجح في إيصال الرسالة كما ينبغي، فتركنا الأمر بين يدي مستشرقين  تنقصهم اللغة، ومابين الحروف والكلمات والمترادفات،وتوجه بعض  مفكرينا لترجمة الادب الاجنبي وثقافتهم بما تحمله من ابهار الحضارة، وكان الاجدى البدء بترجمة الفكر العربي الاسلامي للغاتهم ثم الانتباه لفكرهم ونقله .

دعت  رسالة عمان بوضوح للحوار  بين حضارات تقدم مالديها من فكر ومعرفة ليكون قاعدة لفكرة التعايش ونشر المحبة ،فورد فيها ان الاسلام (... صنع عبر التاريخ أمّة قويّة متماسكة، وحضارة عظيمة، وبشر بمبادئ وقيم سامية تحقّق خير الإنسانيّة قوامها وحدة الجنس البشري، وأنّ النّاس متساوون في الحقوق والواجبات، والسلام، والعدل، .. وغيرها، وهي مبادئ تؤلف بمجموعها قواسم مشتركة بين أتباع الديانات وفئات البشر.)              

هذه رسالة عمان، وفي الأردن ابهى صورة من صور التعايش الأسلامي المسيحي، القائم على أسس وقواعد ارتضاها الجميع مبنية على الأرث الحضاري تحت القيادة الهاشمية ، تستمد بنودها من التاريخ الكبير والعميق للتعايش على جانبي نهر الاردن الخالد.

إن نقل فكر وأسس الحضارة الاسلامية والتعايش  والحوار الذي نريد، هو مسؤلياتنا نحن والاجيال التي ستأتي، مسؤليات المثقفين والمفكرين، علينا أن نتصدر في نقل هذا الفكر في كل المناسبات، ونسعى للحث على ترجمة أمهات الكتب الاسلامية الى اللغات الحية الاخرى، ونقدم لها الدعم والجوائز، وان نشرك في مؤتمراتنا بعضا من غير الناطقين بالعربية ليسمعوا ويشاركوا، ثم ينقلوا بدورهم ما عايشوه ، نحن مازلنا  في بدايات  مهرجان عمان عاصمة للثقافة الاسلامية، فهل سنستغلها؟ وعليكم السلام

 drosalah@hotmail.com

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش