الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وشم زرقاوي

تم نشره في الجمعة 21 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً

ناصر الريماوي *

منذ عشرين عاما عبرتُ تلك العتبة للمرة الأخيرة، نحو الرصيف، بعد تسعين صباحا متواصلا من الندى الموسمي الحالم وعبق القاع الأثير المشع من وسط المدينة، تخطيتها واستبدلتُ طريقي بعتبات أخرى، كثيرة، ولم أعد لـ»طلعة الحايك»... إلا في غمرة الصيف المنصرم.

***

(لا زلت أذكر ذلك المكتب الهندسي العتيق، في أول «الطلعة»، حيث ينتهي الصخب المعتاد لقاع المدينة مع الصباح عند حدودها ولا يقوى على الصعود. اللافتة المعدنية الرخيصة والناتئة على جدار المبنى الجانبي تشير إلى  «مكتب توفيق حداد لإنجاز التصاميم الميكانيكية والكهربائية في أعمال المباني»، وهو ما جمعني بتوفيق حداد ونتالي ذات يوم، في ذلك الفضاء.) 

المكتب، شقّه بصالة بنفسجية واسعة في الطابق الثالث، مؤثثة بخزائن حائطية تزدحم فوق أرففها خرائط التصميم الهندسي، وطاولات الرسم المزودة بمساطر شفافة، عريضة، وورق رسم، إلى جانب علب أقلام التحبير المنوعة والعديدة. شرفتها رحبة تطل على بيت عمّاني عريق ومهجور يتربع على السفح المقابل. رحابتها الذهنية أيضا، ترتبط بذكرى «نتالي» الزميلة الرائعة وثرثراتها الركيكة، تُسقطها عمدا فوق رؤوس المّارة، ونحن نضحك في مرح وصفاء. نافذة المطبخ صغيرة وضيقة،  تنقضّ بإطلالة خلفية متربّصه، على سلسلة البيوت الطابقية لتطعنها في الظهر. جدران تلك البيوت كانت حجرية لكنها متسخة ترشح بالسواد، هل كانت واجهاتها الأمامية أيضا كذلك؟ وهل كانت تتسلق شارعا مؤديا لمبنى الضمان الاجتماعي؟ لم أعد أذكر.

***

ما أذكره جيدا، هو تقاسمنا العفوي لتلك النافذة أيضا، حيث سلمتني «نتالي» عندها أغرب هديّة تلقيتها في حياتي، سأعاود البحث عن تلك الهدية، حتما، وسوف أستعيدها بكل تأكيد.  

المهندس «توفيق حداد»، المالك الأوحد، وأخطبوط العلاقات المتشعبة مع أغلب مكاتب الاستشارات الهندسية الكبرى في عمّان، المنتمي للملكية الأردنية برباط وظيفي لم يفصح عن نوعه، كان في منتصف عقده الثالث، قصير القامة، تغسله بشرة حنطية، وابتسامة مرحة متحفظة، أحيانا. قدّمني في يوميّ الأول للعمل في مكتبه إلى سيّدة ذات ملامح أوروبية شرقية على الأرجح، تدعى «نتالي»، كانت في مطلع عقدها الثالث، تكبرني بسنوات قليلة فقط، هالة من الوقار تظلل ملامحها الجميلة.

أصرّت «نتالي» على الإمساك بيد الطفلة التي ترافقها لحظة التعارف. دون أن تفصح عن اسمها. طفلة صغيرة في عامها الدراسي الأول، على أكثر تقدير، أدركت بأنها ابنتها على الأغلب لذلك الشبه الكبير في الملامح، وهي تنظر نحوي بحذر.

 لم تصافحني السيّدة وأكتفت بشحوبها الذي تفشّى في ملامحها لدى رؤيتي، وببعض كلمات عربية، ركيكة،غير مفهومة، تدحرجت تلقائيا من ثنايا حلقها الجاف وهي تحاول أن تبتلع ريقها، وتحتضن وجه الطفلة، بل تكاد تدفنه في حدود الخاصرة، وكأنها تحاول أن تقي الذاكرة البصرية الهشّة للطفلة من تسجيل مشهد لا يحتمل لوحش. 

***

(الصيف الفائت، أي بعد عقديّن كاملين، كنتُ أفتقد لتلك اللافتة المعدنية، الناتئة، المعلّقة على خاصرة الجدار الخارجي للطابق الثالث.

 عبرت «نتالي» في ذهني بطيفها القديم المرح، بلكنتها الثقيلة، ولغتها العربية الركيكة، فوق تلك البرندة تحديدا. تذكّرت أشياءً كثيرة  بعفوية العابر، حين جذبني الفضول لأصعد نحو دوّامة «الدوّار الأول» ماشياً. وإن يكن، فقد فعلتها من قبل، وصعدت لتسعين مرّة على الأقل، دون نية أخرى في الوصول إلى ميدان أو «دوّار» بحد ذاته، وإنما لتلك الصالة البنفسجية، بقصد العمل.)

***

في العاشرة صباحا من كل يوم، يُقبّل «توفيق» يد الطفلة، مبتسما، يلوّح للسيدة الممتقعة، ثم يؤكد لي قبل خروجه، على عدم عودته، مذكراً إياي بضرورة إغلاق المكتب في الخامسة عصرا، بالمفتاح الذي منحني إياه، كون السيدة تغادر في الواحدة. 

في الأيام الثلاثة الأولى، وما أن يغادر «توفيق»، حتى تفرّ السيدة بطفلتها، نحو الغرفة الوحيدة، المواجهة للمطبخ، توصد بابها، وتقفله بالمفتاح، لأبقى منكباً على مرسمي في طرف الصالة، وحيدا. أزعجني التصرف أوّل الأمر، ثم اوقعني في حيرة عميقة، لاحقا.

***

 يصلني صوت التلفاز وآلة التسجيل، أصغي إلى ثرثراتها المرحة وهي تلاعب الطفلة، أحيانا. يزاولني ارتياح عميق كلما تبادلن الضحك فيما بينهن، تنتابني الشجاعة على إثر ذلك، أنتهز الفرصة لأستفسر، حول نقطة فنية ما، عالقة، أو مواصفة لها علاقة «بالكود» الأردني في التصميم. أطرق الباب، فيعم الصمت ثم تسقط الغرفة في هدوء يبعث على القلق. بعد وقت قصير تفتح السيدة، محتضنة طفلتها، تطالعني بمحياها المغبر «باصفرار» مباغت يشي بالموت. ولا أدري كيف كان يصعد إلى ذهني مطلع الدرج، وبأنها تفكّر فيه، وحده، وبالهرولة عبره، ثم الفرار.

***

(ها هو مطلع الدرج، ذاته، لم يتبدل، إنما تضاعف إمتصاصه للوهج. «الدرابزين» على حاله في استسلامه العبثي، عشرون عاما مضت ولا زال عالقا في الصدأ، يغرز قوائمه المعدنية في البلاط المتسخ. جدرانه الجانبية طُليت حديثا، هذا واضح، وبلون فستقي رخيص، يعشق الغبار وشحار عوادم السيارات من أول نظرة. أطلّ وجه شاب نحيل من ظرفة الباب، بادرته، بأن هذه الشقّة كانت مكتباً هندسياً فيما مضى، فهل ما زالت كذلك؟ رد على الفور هل تقصد «مكتب  المهندس توفيق حداد»؟ تشجعت، فأجبته: بلى.. بلى، هل هو موجود؟ 

تدارك الشّاب بمرح: لا أبداً، أنا لا أعرفه أصلا، أيضا لستُ متأكداً تماما من تعملق هذه الشقّة على أنقاض مكتب هندسي قديم، أم لا، لكنني قد حفظت الأسم لكثرة السؤال عنه، منذ اقامتي هنا.)

بعد ثلاثة أيام عصيبة، كدتُ أفقد فيها ملامحي، وثقتي الراسخة بجذوري البشرية، وأنا أتأمل وجهي، أفزعني التأويل المحتمل لرعب الملامح، والذي من شأنه أن يكون مستترا، لا يراه إلا كل مستبصر فذ، قلت في نفسي: ربما تلك السيّدة تراني ببصيرتها، وليس ببصرها  كصاحب المكتب الهندسي، ولهذا فهي تخافني.

***

قررت التخلي عن فرصتي في العمل، بعد تلك الأيام الثلاثة، وأفضيت إلى صاحب العمل، بالدافع الوحيد، والذي يتلخص حول عمق البصيرة لزوجته، وأن عليه أن يأخذ ما تراه على محمل الجد، فلربما يكون ما تحمله قلقا مفرطا، هذا صحيح، قلت له، لكنه مبرر، بكل تأكيد. 

كنّا نجلس في غرفة المكتب خاصته، حين انفجر - «توفيق» -  ضاحكا وغاب لبرهة عن وعيه في موجات متتالية أخرى من الضحك الهستيري، ثم تمالك نفسه ليرد: هي ليست زوجتي بالطبع، هي مهندسة كهرباء، تعمل بدوام جزئي لدي، ويفترض بها التواجد على المرسم الآخر بجانبك، كزميلة... إنتظر لحظة. صاح في تحبب: ناتالي، لحظة من فضلك. طلب منّي راجيا، أن أكشف عن ساعديّ، وعن كتفيّ أيضاً أمامها، ففعلت وفي نيتي الرحيل عن هذا المكتب المجنون بأسرع ما يمكن، إن تمكّنتُ من هذا.

ثم التفتَ توفيق إلى نتالي وقال جاداً: قلتُ لكِ مسبقا، لا وشم «زرقاوي» أو ندبة لديه. الحكم بهذا الشّكل على مدينة بأكملها أمر مجحف وغير منطقي.

***

مرّت أسابيع كثيرة، كنتُ فيها أنا و «نتالي» نتقاسم أوقات الفراغ مناصفة في فضاء المكتب المترامي، نردمه بالمزاح والتندر، بلكنتها العربية الركيكة، نتقاسم الشّاي الذي تعدّه في المطبخ، وإطلالة النافذة الصغيرة، الغدّارة.. كذلك الشّرفة.

 نتالي «أوكرانية» متزوجة بأردني كان زميلا لها أثناء الدراسة الجامعية في «كييف» أحبّا بعضهما، ثم تزوجا. 

تتنصل في حياء بعد ضحكة عالية وهزّة من رأسها كلما تطرقنا للبدايات، تثب مقطبة وهي تبرر قائلة: زوجي مُدان، هو من زرع في رأسي تلك الأفكار السوداء عن مدينة الزرقاء، وأهلها.

***

بعد تسعين يوما، ودّعتهم جميعا، ورحلت.

كان هذا قبل سفري بأيام، حين تذكّرت الهديّة التي أصّرت نتالي أن أحتفظ بها للذكرى، كانت علبة معدنية مستطيلة، سوداء كتيمة، فتحتها وأخذت أضحك بدوري، كانت عبارة عن مدية أنيقة بمقبض من العظم، كنّا نسميها مجازا، نحن أبناء المدينة، مدينة الزرقاء تحديداً.. «موس كبّاس».

 

* قاص من الأردن مقيم بالسعودية

 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل