الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سنة التمر!

حلمي الأسمر

الأربعاء 19 نيسان / أبريل 2017.
عدد المقالات: 2514

(حين يضيق «خارجك» على اتساعه، تلوذ بـ «داخلك» وتقرأ ما تيسر منه!)

----

سنة التمر، هكذا قالت الوالدة، كانت السنة التي وُلِدْتَ فيها، سنة تجَمَّعَتْ فيها كل آلام النكسة ومعاناتها، تتنهد الوالدة، وتنظر إلى الوالد وهو يأخذ نفسا عميقا من سيجارته اللف، تلتمع عينا الوالد، وتنعكس على وجهه المحفور بآثار السنين جمرات الكانون، الملتفة حوله الأسرة، كأنها تسلمه زمام الحديث، يقطع الحديث صوت الولد الأكبر..

- أحًّي .. سكعان يمة!

- سكعان؟! وشو عرفتوا من السكعة! قول لهم يا مْحِمَّدْ شو هيه السكعة!

ويأخذ مْحِمَّدْ زمام الحديث:  

- قومي اعملي لنا كباية شاي، بلكي دِفْيَتْ قلوبنا، شكلها ليلة طويلة...!

ثم يبدأ حديثه المسائي المعهود، كأنه يقرأ من كتاب أمامه:

- من وين بدكم نِبْدا اليوم؟ 

- من الأول!

هكذا تقترح الوالدة..

- من أول الأول، خليهم يحفظوا القصة كلها، ويرووها لأولادهم، ولأولاد  أوْلاد أولادهم!

- وسنة التمر؟ يسأل الوالد، 

- مِلِحْقينْ عَليها!

تقول الوالدة، وهي «تدق» البريموس، لإشعاله وصنع «كباية» الشاي.

- قول لنا يا مْحِمَّدْ كيف تعرفنا على بعض، وكيف تجوزنا!

- الله يجازيكي يا خديجة، لسة متفطنة؟ أحْكِي كُلْ شي؟

- إحكي، شو أنا خايفة؟

- كانت أمكم ترعى الجمال وهيه عمرها عشر سنين!

يضحك الفتية كأنهم يسمعون القصة لأول مرة

- وأنت شو كنت تشتغل يابا؟

- يوووه ، اشتغلت ميت شغله.

ثم يسرح الوالد ببصره بعيدا، ويبدأ في الحديث كأنه يقرأ من كتاب حياته:

- يوم ما أمي وِلْدَتْني كان أبوي مِيّت، عشان هيك سموني على اغسمه: مْحِمَّدْ، رْبيتْ يتيم أنا وأخوي سالم، وكان سالم أكبر مني، وكان زي أبوي، أمي ترملت زغيرة، وعلمتني إني أعتمد على حالي في كل شيء، اشتغلت من زُغري، وما كان في وقت عندي أروح للمدرسة، مع إنا كان عنا في الشيخ مونس مدرستين: واحدة للبنات، والثانية للأولاد، بس قبل المدارس كان الشيخ الظميري يعلم لِولادْ والبنات الزغار في الجامع، وكان الشيخ الظميري عنده سجل بحفظ فيه كل عقود الزواج، وكان هوه شيخ البلد، ونرجع له في كل زغيرة وكبيرة..

- وشو اشتغلت يابا؟

أسأل والدي،

- قول شو ما اشتغلت! ما خليت شغلة إلا واشتغلتها، بس أمي نصحتني أدير بالي ع حالي، وأتعلم صنعة، قامت حطتني عند نجار، مشان أتعلم كيف نحط البرتكان (البرتقال) في سناديك (صناديق) ونجهزه للتصدير، حاكم الشيخ مونس كانت مشهورة ببيارات البرتكان، بِتْسَدْكوا يا وْلاد إنو أبوكم كان يتاجر مع أوروبا وكان إلنا زباين في اليونان وإيطاليا وإسبانيا؟ 

نرفع جميعا حواجبنا، ويقول أوسطنا بلساننا جميعا:

- وَلْ يابا معقول؟

- معقول ونص، بس قبل ما وصلت هالمرحلة مريت بأيام زي كاع الكيلة، بس كمان مشان السُّدُك (الصدق) يعني أنا ما كنت تاجر كبير، وبصدر مباشرة لأوروبا، أنا كنت نجار بشتغل عند اللي بوخذوا مقاولات، بجمعوا البرتكان وبحطوه في سناديك للتصدير، بعدين كبرت معي شوي وصرت أوخذ مقاولات لحالي، وأجمع أنا وعمالي البرتكان من البيارات ونعطيه للتجار الكبار اللي يصدروه لأوروبا..

ويسرح الفتى ببصره بعيدا، ينسحب قليلا قليلا إلى سيناريو مفترض، ويسأل نفسه: لو لم تقع هذه الكارثة لأهله، ماذا سيكون حاله ما دام أبوه يتاجر مع أوروبا في وقت مبكر من هذا القرن، القرن العشرين؟ كان بالتأكيد يلبس بذلة سوداء، ولديه بسكليت فاخر، وبيت كبير أمامه حديقة كبيرة جدا، وبالتأكيد سيكون لديهم سيارة أو أوتومبيل، كما يسميه والده، وسيكون لديهم سائق يقله إلى المدرسة، ولن يكون عليه أن يأخذ معه قطعة خبز  إلى الصف كي يضعوا عليها شيئا من اللبنة كما هو الحال في مدرسة وكالة غوث اللاجئين، ولن يكون بمقدور أحد أن يجبره على أن يحلق شعره على الصفر خوفا من القمل، و..

- خذ كباية الشاي يمّه!

تقطع عليه الوالده حبل خياله، ينتبه إلى والده، كانت عيناه تترقرقان بالدموع، سأل أخاه الذي يكبره بسنتين:

- شو مال أبوي؟

يلكزه بكوعه، ويقول له:

- أسكت، بعدين بحكي لك!

يشرب شايه، فيما كان الجميع يعيشون لحظة وجوم، ولا تُسمع إلا «شفطات» الشاي، ثم يعلن الأب:

- يلا قوموا ناموا!

تتوزع الأسرة كل فرد في مكإنه، الأولاد الثلاثة الكبار ينسحبون إلى غرفة الزينكو، ويفترشون الأرض، فيما ينضم الأولاد الصغار إلى الوالديْن في الغرفة «الكبيرة» يستلقي الفتى على ظهره واضعا كفيه تحت رأسه، ويسأل أخاه الذي يكبره بثلاث سنوات:

- شو مال أبوي؟

- ما بعرف نام هسه، والصبح بحكيلك!

- وشو بدو ينيمني..؟

- فك عني نام!

ولكن أنى للفتى أن بنأم!!

سهر تلك الليلة ينظر في سقف الزينكو والصور تتداعى في ذهنه، تنهال عليه من كل حدب وصوب، كانت السماء تمطر بغزارة، وساعدت خيانة السقف الذي يُهرب بكرم قطرات المطر إلى أرض الغرفة: تك تكك تتك تتكتك، مستقرة في أوانٍ منثورة في أرض الغرفة في إبقائه مستيقظا، مًستدعيا آلاف الصور والحكايات التي شهدها في هذا المكان، وهو يوشك أن يشد الرحال بعيدا عنه، ليكمل دراسته الجامعية، وتتداعى الحكايات على وقع صوت الدلف....!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش