الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عبد الهادي والأخرس يتأملان الراهن ويحلقان في فضاءات الروح

تم نشره في الاثنين 20 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

عمان - الدستور - عمر أبو الهيجاء
نظم بيت الشعر العربي في رابطة الكتاب الأردنيين مساء أول أمس، أمسية شعرية للشاعرة الدكتورة إيمان عبد الهادي والشاعر أحمد الأخرس، وأدار الأمسية الشاعر لؤي أحمد أمين عام بيت الشعر وسط حضور من المثقفين والمهتمين.
واستهلت القراءة الشاعرة د. عبد الهادي، صاحبة ديوان «فليكن»، مجموعة من قصائد من مثل: «سمرقند، تحولات الشاعرة، قابيل قتيلا، أفكر فيك، وأسماء»، فقرأت بداية مقطعا شعريا تتقول فيه: «ورِثتُ الضّوءَ عن مصباحِ جدّي/ لذلكَ حلكةٌ ستجيءُ بعدي/ ولم يَكُ في سراجِ الحلمِ زيتٌ/  ولكنَّ الأصابِعَ ذات وَقدِ/ ستأتي من سماءِ الغيبِ كفٌّ / وتُوثِقُ في خيالِ الرّيحِ قصدي/ أرى في خاطِرِ (الرّؤيا) ملاذاً/ تضيقُ ِبِهِ (العِبارةُ)، إذ تؤدّي/ تشكّلني مفارقةُ الثّواني/ أكونُ أنا، تكونُ أنايَ ضدّي/ فقلْ لي أيّها الشّعرُ المُرائي/ على أيّ الجهاتِ أريحُ خدّي؟».
الشاعرة عبد الهادي تمتلك أدواتها الفنية والتقنية في سبك حروفها بطريقة تضع فيها القارئ في دهشة الشعر، تأخذني على جناح قصيدتها إلى فضاءات الروح، إلى عبق التاريخ وبخارى الذي تسترجع ضمن رؤى فنية تنم عن مراس في كتابة القصيدة. شاعرة تجدل كلماتها على موسيقى الروح وتبث فيها معنى المعنى بفلسفتها ومحاكاتها للأشياء وشعرنتها، لتسرد علينا منافي الإنسان الكثيرة.
تقول في قصيدة «سمرقند»، «إيه... هل أنتِ بُخارى!/ كلُّ ما في داخلي من مُدنِ الظّلّ وأشباهِ المغاني قد توارى/ وأنا أبصركِ الآن تماماً.. وأنا أبصركِ ُ نارا!/ فانظري إن كانَ في نجمكِ، أعني: ثقبَكِ الأسودَ ما يكفي الحيارى/ والفظي يا أميَ الحُبلى بأبناءِ المنافي/ لحمَكِ الأخضر سوراً وسياجاً وجالآن مرارا/ ملءَ عينينِ كأنّي في الرّمادِ/  الرّخوِ: قد آنستدارا».
ومن وجع إلى وجع تذهب بنا الشاعرة عبد الهادي، وكما إلى تحولاتها واشتعالات دمها المستطاب، شاعرة تبوح بما في ثناياها فتأخذنا إلى الموروث الديني من تفاحة آدم ولتلك السلة لم تجد متسعا للتفاح الأكثر علوا.
من قصيدة (تحوّلاتُ الشّاعرة)، تقول: «أحتاجُ مثلَ مُريدةٍ/ ألّا أطيلَ وقوفَ أسمائي الوحيدةِ في الزّحامْ/ أحتاجُ خلوتَكَ القصيّةَ/ أيّما ترفٍ تنزّهُهُ القصيدةُ عن مجالسةِ الغمامْ/ يا أيّهذا «الجوهريُّ»، قضيتُ عمري كُلَّهُ وأنا أقشِّرُ برتقالتَكَ الشّهيّة/ نزَّ حامِضُها على جُرحي/ وأشعَلَ من دَمي _ دمِها المُدامْ/ هيَ حكمةُ البِنتِ الصّغيرةِ: أنْ تشُكَّ بأنَّ هذا الشّعرَ والِدُها القديمُ/ وأنَّ تكوينَ الأنوثةِ كانَ كوَّنَهُ «الكلامْ».
ومن قصيدتها «أسماء»، التي تستحضر فيها المادة التاريخية والموروث الديني نقرأ: «هل عُدتُ وَحدي؟/ لا أظنُّ!/ معي (النِّطَاقُ)/ أمشي إلى الجبلِ المتينِ/ كأنَّ فيَّ من انكسارِ الأرضِ زاويةً؛/ فتُصبِحُ هكذا مَيلاً على مَيلٍ/ وأُسرِعُ قبلَ أن يَصِلَ (البُراقُ)/ وكأنَّ فيَّ الخِفَّةَ الأولى لِعَدوِ فَرَاشةٍ في النّورِ/ أو لكأنَّ بي موتاً مثالِيّاً/ فأنسى كيفَ تُفلِتُني الحياةُ/ وكيفَ - إذ طِفلٌ يُخرمِشُ تحتَ جِلدي-/ كيفَ يهصِرُني العِناقُ».
تاليا قرأ الشاعر أحمد الأخرس صاحب ديوان «شجر الملامح»، غير قصيدة من مثل: «غريب هو الحب، جناس ناقص، وجد، سيرة العصا، أنا، والعناق»، قصيدة مشغولة بفنية عالية تستقرىء الواقع الأليم الذي يعيشه الإنسان العربي، وتقف على محطات كثيرة في فلسفة الحياة وفلسفة الحب، بلغة متدفقة عالية البناء ولا تخلو من صدق المشاعر وحرارة القول الشعري لديه تنم عن مراس في ترجمة تلك المشاعر بحروف مشتعلة ونابضة بمعنى الحياة.
يقول في قصيدته «غريبٌ هو الحبُّ»،»غريبٌ هو الحبُّ/ يبدأُ بالخفقان، و لا ينتهي بالمسافة!/ وأسألُ قلبي: لماذا أحبُّكِ دون النساءِ/ و في كلِّ أنثى بلادٌ تَوَدُّ اقتطافَهْ؟/ وحينَ أحنُّ إلى صوتِكِ المتعطِّرِ بالحزنِ/ أنصتُ حدَّ التوجُّعِ كي أسْمَعَه/ وأرمي يدي في الهواءِ لألمسَ خصلاتِ طيفِكِ/ كم من نهارٍ ستخفي جدائلُكِ الأربعة؟!/ لماذا أحبُّكِ دونَ النساءِ/ و في كلِّ أنثى محاريبُ تكفي لكي تُرْكِعَه؟!/ أنا متعبٌ حدَّ أني تخلَّيْتُ عنّي/ الْهواءُ ثقيلٌ على رئتيَّ؛ لأنَّكِ لستِ معي/ و لأنَّكِ لستِ معي، تهربُ الأرضُ منّي/ و تتركني عالقاً في الفضاءِ/ أحبُّكِ حدَّ السقوطِ على ما تركتِ وراءَكِ من أثرٍ/ فليكنْ حاضري ماضيَكْ».
ومن قصيدته «العناق»، يذهب بنا إلى إحتدامات العناق وما توارث الآباء من تراب وما ورثه الأنبيا من أديم، شاعر يمتلك نفسا طويلا في الوقوف على التفاصيل الحب وبلاغة القول الشعري.
من قصيدته «العناق»، يقول: «العناق: تزاوج عطرين/ معجزة الشجر المتشابك/ ما ورثَ الأبُ من طينةِ الأرضِ/ ما ورثَ الأنبياءُ هنا من أديمِ الأغاني/ العناق: احتدامُ التضاريسِ/ زيتٌ و ماءٌ/ يشدّانِ خيطَ الكثافة بينهما/ يتلاشى، فيختلطان/ و الشفاه: فواكه من أسرفوا في القبلْ/ ربما أسرفوا في الأملْ!/ لا نزالُ هنا نتعانقُ/ لكننا لم نصلْ!».
شاعر يتمتع بلغة صافية، لغة التوحد والوجد الصوفي فيقول في قصيدته «أنا»، «رَأَيْتُ فيما رأيتُ أني احْــ .. ـتَرَقْتُ حتى خُلِقْتُ مني/ و أنني كنتُ كلَّ شيءٍ/  كأيِّ شيءٍ،.. و لم أَكُنّي!/ و أنني صورةُ المرايا/ إذا حملنَ الحياةَ عني/ وأنني الناي حينَ غنّى/ و قيل من قبلُ: «لا تُغَنِّ!»/ وأنني قرطُ كلِّ أنثى/ تمسُّ في صدرها التمنّي!!»
وختم الأخرس قراءته الشعرية بقصيدة استذكر فيها الشاعر الراحل عاطف الفراية والتي أسماها «سيرَةُ الْعَصا»، قائلا: «أستعير حنجرتك في غيابك لأكتب قصيدتنا»، قصيدة تسرد حكايات الوجع وذكرياته مع الراحل الفراية، مستشهدا بذلك البدوي الذي عاد من غبار الهزائم منتصرا، لقد رسم لنا في هذه القصيدة بانوراما إنسانية لا تخلو من عذابات الروح وتلقبات الحياة.
من هذه القصيدة نقتطف:»تَذَكَّرْتُ أُمّي وَ وِحْدَتَها، فَنَسيتُ الْعَطَش/ وَلَمّا تَذَكَّرْتُ نَفْسي ظَمِـْئتُ، هَوَيْتُ/ إِلى كُلِّ جُبٍّ غَيابَتُه أَلْفُ عامِ/ مِنَ الْاِنْتِظارِ لِسَيّارَةٍ لَيْسَ تَأْتي/ وَحينَ خَرَجْتُ، خَرَجْتُ عَلى كَتِفِ الْبَدَوِيِّ/ الَّذي عادَ مُنْتَصِراً مِنْ غُبارِ الْهَزائِمِ/ مُنْهَزِماً يَتَدَرَّبُ في جِلْدِ أَبْنائِهِ الْمُتْعَبينَ/ يَجوعُ، فَيُحْني لِحائي,. لِيَجْعَلَ مِنْ جَسَدي مَصْرَعاً لِلْغَزال!».

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل