الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في ظلال رمضان : مقاصد الصوم

تم نشره في الاثنين 24 آب / أغسطس 2009. 03:00 مـساءً
في ظلال رمضان : مقاصد الصوم

 

 
* إعداد : د.عارف حسونة/ كلية الشريعة - الجامعة الاردنية



التــوبة ( 1 )

شهر رمضان شهر التوبة والغفران : والتوبة لذلك هي أولى ما يستقبل هذا الشهر به ، وأحسن ما يستعد له : وبخاصة أنها من أهم الدعائم الأخلاقية التي تعين على تغيير سلوك العصاة والمجرمين على نحو يرجع على المجتمع بالصلاح والنفع العميم : ولعلها لهذا كانت التوبة من أوجب الواجبات وأفضل العبادات ، فقد أوجبها الله تعالى بقوله :"يا أيها الذين أمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا"التحريم ـ 8 ورغب بها أبلغ الترغيب بقوله :"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفـور الرحيم"الزمر ـ ,53

على أن للتوبة حقيقة وأنواعا ووقتا وأحكاما وشروطا وثمرات ومعينات عليها يحسن في هذا المقام إيرادها والتنبيه عليها : لتقع التوبة من المكلف على الوجه المرضي المقبول ، وتحظى من الله سبحانه بالرضا والقبول : وفيما يلي بيان حقيقتها وحكمها ووقتها وشروطها ، ونتكلم على أنواعها وثمراتها والمعينات عليها في مقالات قادمة بإذن الله تعالى فنقول :

فأما حقيقة التوبة : فهي لغة : من الرجوع : وقد سميت التوبة بذلك لما فيها من رجوع المكلف عن الذنب ، ورجوعه بها إلى الله سبحانه . وهي من العبد بهذا المعنى ، لكنها من الله سبحانه بمعنى فتح باب التوبة وقبولها : فإن قيل : تاب الله عليه : أي فتح له باب التوبة وقبلها منه ، ومنه قوله سبحانه :"فتاب عليهم ليتوبوا"التوبة ـ 118 أي فتح لهم باب التوبة ليتوبوا فيقبل منهم توبتهم .

والتوبة في اصطلاح أهل العلم : الكف عن المعصية فورا بلا أي تراخ ، والندم عليها ندما شديدا ، وعقد العزم على عدم العود إليها مطلقا .

والفرق بين التوبة والاستغفار : أن التوبة تتضمن الندم على ما كان ، والكف عن الذنب الحاضر ، والعزم على عدم العود إليه في المستقبل . أما الاستغفار فهو من الغفر وهو الستر : وهو يتضمن لذلك أمرين : أحدهما : ستر العبد بحيث لا يفضح الله أمره في الدنيا ولا في الآخرة ، والثاني : الستر بين العبد وأثر معصيته بحيث لا يعاقب عليها . وعلى هذا فالفارق بين التوبة والاستغفار أن العبد قد يستغفر الله حين يطلب منه أن يستر معصيته وأن لا يعاقبه عليها ، ولكنه في الوقت ذاته لا يتوب من تلك المعصية التي يطلب سترها وعدم العقوبة عليها ، وهو كما يفعله كثير من العامة حين يستغفرون الله مع إصرارهم على المعصية التي يستغفرون الله منها . ولهذا فرق الله سبحانه بين الاستغفار والتوبة حين طلب التوبة بعد الاستغفار : إذ لو كانا شيئا واحدا لما كان لطلب التوبة بعد الاستغفار معنى : وذلك من نحو قوله سبحانه : وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه "هود ـ 3 وقوله تعالى :"ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه"هود ـ 52 . على أن العبد إذا تاب من معصية فتوبته - ولا بد - تتضمن الاستغفار منها : ولهذا فكل توبة تتضمن الاستغفار ولكن ليس كل استغفار يتضمن التوبة .

وأما حكم التوبة : فهي واجبة إذا كانت توبة من فعل المحرمات ، أو ترك الواجبات : كمن يتوب من السرقة ، أو ترك الصلاة . وهي مندوبة إذا كانت توبة من فعل المكروهات ، أو ترك المستحبات : كمن يتوب من ترك بعض السنن ، أو من ترك قيام الليل ، أو من الأكل بالشمال . وهي محرمة إذا كانت توبة من فعل الطاعات : كن يندم على صلة ذي رحم منه : لخصومة حدثت بينهما بعد الصلة .

وأما وقت التوبة : فلها وقت وجوب ، ووقت قبول . فأما وقت وجوبها : فليس له حد معين تجب فيه : لأنها تجب بمجرد فعل المعصية في أي وقت وقعت : وهي حينئذ واجبة على الفور لا على التراخي : فلا يجوز لذلك تأخيرها عن وقت المعصية مطلقا : لأن تأخيرها عن وقت المعصية هو في حد ذاته معصية تجب التوبة منها : ولهذا قال العلماء : تجب التوبة من تأخير التوبة . وأما وقت قبول التوبة : فهو وقتان أيضا : وقت خاص ، ووقت عام ، فأما وقتها الخاص : فهو قبل الغرغرة التي يحصل بعدها موت العبد : لقوله صلى الله عليه وسلم :"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"رواه أحمد والترمذي وحسنه . أي ما لم تبلغ الروح الحلقوم في حالة الاحتضار . وأما وقتها العام : فهو قبل طلوع الشمس من مغربها : لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها : فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون : فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا"رواه البخاري .

وأما شروط التوبة : فخمسة شروط هي :

1 - النية : وهي أن ينوي التوبة من المعصية : لأن التوبة عبادة ، ولا تصح العبادة إلا بالنية : ومن ثم فلو كف عن المعصية أو ندم عليها لا بنية التوبة ، بل لمانع منعه من الاستمرار على تلك المعصية ، لم تصح : وذلك كما لو مرض مرضا جنسيا بسبب الزنا فأقلع عنه لذلك لا بنية التوبة لله سبحانه .

2 - الإقلاع فورا عن الذنب المتوب منه : فلا تصح التوبة من معصية وهو مستمر فيها مقيم عليها .

3 - الندم على المعصية : فمن تاب عن معصية ولم يندم على ما مضى منها فلا تصح توبته : لقوله صلى الله عليه وسلم : التوبة من الذنب : الندم والاستغفار"رواه أحمد وصححه الألباني . ولكن ننبه ههنا إلى الفرق بين الندم على المعصية ، وعدم وجدان لذتها : فإنه ليس يجب على المكلف كلما استحضر ما فات من المعصية أن لا يجد لذتها في قلبه : لأن هذا تكليف بما لا يطاق : وبخاصة أن المعاصي في الأصل لذيذة مشتهاة : وإلا لم يكن اختبار المسلم بها سائغا ، ولم تكن النار حفت بالشهوات : ولهذا فالواجب على فاعل المعصية أن يتمنى لو أنه لم يفعلها : ولا يجب عليه بعد ذلك أن لا يجد حلاوتها في قلـبه .

4 - أن تقع في وقت القبول : لأن التوبة بعد وقت القبول الخاص أو العام ، لا تصح ولا تقبل .

5 - رد المظالم إلى أهلها : فإن كانت المظلمة مالا سرقه فإن عليه رده لمالكه ، وإن كانت غيبة أو نميمة أو قذفَ محصن أو محصنة فإن عليه أن يبين الحق وأنه كان ظالما فيما قاله وأن يسعى في إصلاح ما أفسد بنميمته : وذلك لقوله تعالى :"إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم"البقرة ـ 160 فقرن التوبة بالإصلاح والبيان . ويستحسن أن يخبر من استغابه أنه استغابه ليطلب صفحه ومسامحته : ولكن بشرط أن لا يغلب على ظنه أنه لو أخبره بذلك فسوف يغتم أو يحدث بينهما شجار : فإن غلب على ظنه ذلك فيكفي أن يستغفر لمن استغابه ، ويذكر محاسنه ومناقبه لمن ذكر لهم معايبه ومثالبه .

Date : 24-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش