الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في ظلال رمضان :المنهج الظاهري في الاجتهاد يمنع إخراج القيمة في زكاة الفطر

تم نشره في الجمعة 28 آب / أغسطس 2009. 03:00 مـساءً
في ظلال رمضان :المنهج الظاهري في الاجتهاد يمنع إخراج القيمة في زكاة الفطر

 

 
* د.عارف حسونة * كلية الشريعة - الجامعة الاردنية

* 7 - 30

ذكرنا في المقالة الماضية أن المنهج الظاهري في الاجتهاد هو التمسك بما تبادر من معنى النص ، مع ترك ملاحظة مقصود الشارع منه في تفسيره وتطبيقه . وقد مثلنا لهذا المذهب في تلك المقالة بما ذهب إليه الشافعية من التفطير بأمور من نحو استدخال طرف الأصبع في باطن الأذن ، أو بدخول سمسمة إلى الجوف أو غير ذلك مما ليس بطعام ولا شراب ولا في معناهما : ونريد في هذه المقالة ههنا أن نمثل لهذا المنهج الظاهري بمسألة يقع النزاع بين المسلمين فيها في كل رمضان تقريبا ، وهي مسألة إخراج القيمة في زكاة الفطر بدل العين : حيث شدد بعض المعاصرين النكير فيها على كل من أجاز إخراج القيمة في زكاة الفطر ، برغم أن هذا القول بالجواز هو مذهب الحنفية ، وقول في المذهبين المالكي والحنبلي : خلافا للشافعية والظاهرية .

والواقع أن هذا القول بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر - وزكاة المال أيضا - موافق لمقصود الشارع منها ، بما هو إغناء الفقير ، وتزكية المزكي ، وتطهير ماله ، وإقامة مصالح الأمة : وهو ما يحصل - ولا شك - بإخراج القيمة ، كما يحصل بإخراج العين ، بل لعله لا يحصل في بعض الأحيان والأحوال إلا بإخراج القيمة ، وبخاصة في عصرنا هذا الذي صارت حاجة الفقير إلى النقد فيه ألح منها إلى أعيان ما يجب في زكاة الفطر أو ما تجب من الأموال زكاته : وذلك نظرا لاختلاف الحاجات في هذا العصر ، على نحو لم يعد القمح والشعير والتمر ونحو ذلك من أموال الزكاة ، مما يسد حاجة الفقير غالبا ، ولأن الحاجات مهما تنوعت فالقيمة من النقد قادرة على دفعها ، ولا كذلك الأعيان من غير النقد.

يقول شمس الأئمة السرخسي :"المقصود إغناء الفقير ، والإغناء يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء الشاة ، وربما يكون سد الخلة بأداء القيمة أظهر".

وإذا كان هذا كذلك فتشديد النكير على من يقول بإخراج القيمة حينئذ ، تمسك بظواهر النصوص الواردة في زكاة الفطر وفي تزكية الأموال من أعيانها ، وترك لملاحظة مقصود الشارع منها ، واعتباره في الاجتهاد : ولهذا قال الدكتور القرضاوي :"وفي عصرنا رأينا وسمعنا من تقمص شخصية ابن حزم ، واغفلوا النظر الى مقاصد الشريعة ، ورأينا من يحمل على من يرخص في أخذ القيمة في زكاة المال ، وزكاة الفطر ، والكفارات ، رغم الحاجة الى الرخصة ، وموافقة ذلك لغرض الشارع ، ومصالح الناس ، ويبالغون في تخطئة من أجاز ذلك من الأئمة السابقين ، ومن تبعهم من العلماء المعاصرين ، ".

على أن اخراج القيمة بعد هذا كله هو الأقوى دليلا ، والأرجح مذهبا : لما منه مع ما ذكرنا من مراعاة مقصود الشارع :

1 - أنه يجوز بالإجماع العدول عن العين إلى الجنس : بأن يخرج زكاة غنمه شاة من غير غنمه ، وأن يخرج عشر زرعه حبا من غير زرعه : وهذا يدل على أنه لا يتعين إخراج زكاة جنس من الأموال من عين ذلك الجنس ، بل لو أخرجها من عين أخرى من الجنس نفسه جاز : فإذا جاز العدول عن عين إلى عين أخرى من الجنس نفسه ، فينبغي أن يجوز لذلك العدول عن جنس إلى جنس أخر أيضا : بإخراج زكاة جنس غير النقد ، من جنس النقد مثلا : وفي هذا رد على من منع اخراج القيمة ، بدعوى أن الشارع إنما اوجب الزكاة في عين من المال فلم يجز العدول عنها الى غيرها لذلك ، وأن للشارع قصدا في تعيين الجزء الواجب إخراجه من المال : هو قطع العلاقة بين المالك وبين ذلك الجزء المعين من ماله .

2 - أن ما ورد من النصوص بإخراج الأعيان فهو للتيسير على مالكيها ، لا لتقييد الواجب به : فإن أصحاب المواشي مثلا تقل فيهم النقود ، وأصحاب الزروع والثمار كذلك ، وغيرهم من أصحاب الأموال الأخرى من غير النقد كذلك : ولهذا فقد كان إخراج الزكاة مما عندهم أيسر عليهم .

3 - أن معاذ بن جبل رضي الله عنه أخذ زكاة الذرة والشعير ، من الأثواب والأقمشة التي اشتهر بصناعتها أهل اليمن ، وكثرت فيهم جدا : بحيث كانت حاجتهم إلى الذرة والشعير لذلك أعظم من حاجتهم إلى الأثواب ، وهو بخلاف ما كانت عليه الحال في المدينة ، حيث كانت حاجتهم إلى الثياب أعظم من حاجتهم إلى الذرة والشعير : وقد راعى معاذ رضي الله عنه ذلك على نحو يدل على أن المرعي في الزكاة إنما هو حاجة الفقير وما يدفعها ، ولو اقتضى هذا إخراج زكاة الجنس من جنس غيره ، وترك التقيد بالإخراج من عين المال المزكى ، أو من جنسه فقط .

4 - "أن رأي الحنفية ومن معهم من الفقهاء أليق بعصرنا ، وأهون على الناس ، وأيسر في الحساب : وخاصة إذا كانت هناك إدارة أو مؤسسة تتولى جمع الزكاة وتفريقها : فإن أخذ العين يؤدي إلى زيادة نفقات الجباية ، بسبب ما يحتاجه نقل الأشياء العينية من مواطنها إلى إدارة التحصيل وحراستها ، والمحافظة عليها من التلف ، وتهيئة طعامها وشرابها وحظائرها إذا كانت من الأنعام - من مؤنة وكلف كثيرة : ما ينافي مبدأ (الاقتصاد) في الجباية".

Date : 28-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش