الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

* في ظلال رمضان : مقاصد الصوم 1 - 30

تم نشره في السبت 22 آب / أغسطس 2009. 03:00 مـساءً
* في ظلال رمضان : مقاصد الصوم 1 - 30

 

 
* إعداد : د.عارف حسونة / كلية الشريعة - الجامعة الاردنية



المقاصد في الشريعة الإسلامية نوعان : مقاصد كلية ، ومقاصد جزئية . فأما الكلية منها ، فهي المصالح التي من أجل تحصيلها شرعت أحكام الشريعة كلها : كالمصلحة الكلية التي هي حفظ الدين ، والمصلحة الكلية التي هي حفظ النفس ، والمصلحة الكلية التي هي حفظ العقل ، وهكذا . وأما المقاصد الجزئية ، فهي المصالح والفوائد التي من أجل تحصليها شرع الحكم الشرعي الواحد : كالمصالح المترتبة على وجوب الصوم ، والمصالح المترتبة على وجوب الصلاة ، وهكذا : ونحن في هذه المقالة والتي تليها نتكلم إن شاء الله على المقاصد الجزئية التي من أجل تحصيلها شرع الصوم : مع التنبيه على أن الامتثال لأمر الشارع بالصوم لا يتوقف على إدراك تلك المقاصد المترتبة عليه : وأن الواجب على المسلم أن يكون صومه بنية الامتثال لأمر الشارع أولا وقصدا ، وإن نوى تحصيل تلك المصالح والمنافع المترتبة عليه ثانيا وتبعا . وعلى الجملة فيمكن تلخيص تلك المقاصد فيما يلي :

1 - الإقدار على التقوى والإعانة عليها : وهو أجل مقاصد الصوم وأولاها ، وهو ما دل عليه قوله سبحانه وتعالى :"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"البقرة ـ 183 . وذلك أن العبد يتمكن بالصوم من التقوى ، حين تنكسر حدة شهواته الداعية إلى المعاصي ، وتنكسر نفسه بتلبسها بالعبادة : وهو ما أشار إليه نبينا عليه السلام بقوله :"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"رواه البخاري ومسلم . فقد أرشد عليه السلام من لا يجد قدرة على الزواج وهو شاب فائر الشهوة حادها إلى أن يصوم : لأن الصوم يكسر حدة شهوته فيكون بذلك أقدر على أن يتقي الوقوع في الزنا : وهو ما يدل في الجملة على أن الصوم معين على التقوى ممكن منها بطريق كسر الشهوات الداعية إلى المعاصي والاستغراق فيها : وبخاصة أن الإنسان إذا أكل أو شرب انبسطت نفسه إلى الشهوات ، وقعدت به عن العبادات : وهذا ما أكده عليه السلام بقوله :"الصوم جنة"رواه البخاري ومسلم . أي ساتر للصائم يستر بينه وبين المعاصي بإعانته على التقوى منها بكسر حدة شهواته الداعية إليها ، ويستر بينه وبين الأمراض البدنية بإعانته على اتقائها بالحمية الواقية منها .

يقول الإمام الكمال بن الهمام الحنفي :"الصوم يسكن النفس الأمارة بالسوء ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج : ولذلك قيل : إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء ، وإذا شبعت جاعت كلها".

وقال الفخر الرازي : قوله تعالى : لعلكم تتقون . فيه وجوه ، أحدها : أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى : لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى : فإنه يردع عن الأشر والبطَر والفواحش ، ويهوًّنُ لذات الدنيا ورياستها : وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج ، وإنما يسعى الناس لهذين ، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه . فمن أكثرَ الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما : فكان ذلك رادعا له عن ارتكاب المحارم والفواحش ، ومهونا عليه أمر الرياسة في الدنيا ، وذلك جامع لأسباب التقوى : فيكون معنى الآية: فرضتُ عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين".

بل إن من أقوى ما يعين على التقوى في شهر الصوم أنه شهر تصفد فيه الشياطين : لقوله صلى الله عليه وسلم :"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين"رواه البخاري ومسلم . وإذا صفدت مردة الشياطين فلا شيء أعون من ذلك على تقوى الله سبحانه وترك معاصيه .

على أن من علاقة الصوم بالتقوى أيضا أنه يدرب العبد على مراس التقوى ويعوده عليها : لأن العبد إذا صام فإن في إمكانه لو شاء أن يفطر دون أن يدري بفطره بشر : ولكنــه حيث يراقـب الله سبحانه فيستمر في صومه ، ويتقي الله فيه في السر كما يتقيه فيه في العلن : فإنه بهذا يتعـود التقوى ويمارسها ويتلبس بها .

2 - التدريب على مجاهدة النفس وضبط شهواتها : لأن من ألح الشهوات على الإنسان وأقواها فيه شهوتي البطن والفرج ، مع أن الصوم إمساك عنهما بالذات ، وقمع لهما بالذات ، وتهذيب لهما بالذات : فكان الصوم من هذا الوجه مدربا للنفس على ضبط ألح شهواتها عليها ، ومعينا لها على أقوى دواعيها إلى المعصية . بل إن الجريان على هذا المقصود الجزئي من مقاصد الصوم - وهو ترك شهوات النفس - كان العلة في عد مثل الدخان مفطرا عند من لا يعد من المفطرات إلا ما يدخل المعدة حتى قال بعدم الفطر ببخاخ الربو .

3 - التهذيب الأخلاقي والسلوكي : لأن الصوم ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب والنكاح وحسب : بل هو أيضا إمساك عن المعاصي جملة ، وتهذيب لسلوك المرء جملة : لأن من غير الجائز أن يصوم العبد عن شهوتي البطن والفرج ، ثم لا يصوم عن شهوة اللسان بالإمساك عن الغيبة والنميمة ، ولا يصوم عن شهوة النظر بالإمساك عن النظر إلى ما يحرم النظر إليه ، ولا يصوم عن شهوة السماع بالإمساك عن سماع ما يحرم سماعه من الغناء وغيره . ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :"من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"رواه البخاري . وقال صلى الله عليه وسلم :"رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش"رواه أحمد بسند جيد كما في صحيح الترغيب . وقال أيضا عليه السلام :"إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل : فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم"رواه البخاري ومسلم . بل إنه عملا بدلالة هذه الأحاديث ذهب بعض العلماء إلى أن كل معصية في أثناء الصوم مفطرة ، ولو كانت صغيرة . وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن العلماء"اتفقوا على أن المراد بالصيام صيام من سلم صيامه من المعاصي قولاً وفعلا".

4 - تعويد المسلم على الانضباط في حياته والدقة في مواعيده : لأنه حين يأكل في وقت معين ويفطر في وقت معين بحساب دقيق لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ، فإن هذا ولا بد يعود المرء الدقة في مواعيده والانضباط في حياته ، وبخاصة أن تأخير الفطر مكروه ، والتعجيل به مفسد للصوم : مما يستدعي الدقة التامة في مواقيت الفطر والإمساك .

5 - تذكر الفقراء الجوعى ومعاناة ما يعانونه : ليكون ذلك أدعى إلى مواساتهم بالمال وتحمل المسؤولية تجاههم ، وليكون أجدر أن يعرف الغني نعمة الله عليه . وقد سئل بعض علماء السلف : لم شرع الصيام ؟ فقال : ليذوق الغني طعم الجوع : فلا ينسى الجائع". ولا شك أن في هذا من التكافل الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء ما فيـه : ولعله لهذا المقصد الجليل من مقاصد الصوم كان صلى الله عليه وسلم"أجود ما العين المجردة هي الفيصل دائما

تحري هلال رمضان بين جيـــلين

Date : 22-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش