الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كلٌّ يُغفر له إلا أنا

تم نشره في الخميس 25 آب / أغسطس 2011. 03:00 مـساءً
كلٌّ يُغفر له إلا أنا

 

يقول أحد الدعاة: حدثني صاحب لي قال: كنت ذاهباً إلى إحدى الدول العربية لمهمة تستغرق يوماً واحداً، وبعد أن أنهيت مهمتي, عدت إلى المطار استعداداً للإياب وكلِّي تعب ونصب.. فالتفتُّ يمنة ويسرة, فوجدت في المطار مكاناً أُعِدَّ للصلاة .. فذهبت إليه ونمت نوماً عميقاً, وقبيل الظهر استيقظت على بكاء شاب يصلي ويبكي بكاءً مريراً, قال: ثم دنا مني وقال: هل تستطيع أن تنام؟

قلت: نعم. قال: أما أنا فلا أقدر على النوم, ولا أستطيع أن أذوق طعمه. فقلت له: ما شأنك؟

قال الشاب: أنا من أسرة غنية، كل ما نريده مهيأ لنا.. ولكنني مللت الروتين والحياة.. فأردت أن أخرج خارج البلاد, فاخترت هذه البلاد، وما كان همي فعل فاحشة بل لعب ولهو. ولما وصلت إذا برفقة سوء قد أحاطت بي إحاطة السوار بالمعصم.. فاطمأننت إليها بادئ الأمر وما زالوا معي من عبث إلى عبث حتى أتوا بي إلى خطوات الزنا. فانفردت بواحدةٍ حتى وقعت بها.. وإذ بحرارة تلسع قلبي وتضرب ظهري. وبدأت أبكي وأصيح. يقول صاحبنا: ثم أخذ الشاب يبكي من حرقة ما أصابه.. فقلت له: أتلو عليك آية من كلام الله.. فلتسمع.. وتلا عليه قول الله تعالى:

(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم).

فأجاب ذلك التائب الذي بلغت التوبة في قلبه ذلك المبلغ: كلٌّ يغفر له إلا أنا، ألا تعلم أني زنيّت.. ثم سأل صاحبه: هل زنيت؟ قال: لا والله، قال: إذن أنت لا تعلم حرارة المعصية التي أنا فيها.

قال: وبعد ان عدنا الي بلدنا أخذت عنوانه ثم ودعته.. وأنا واثق أن ندمه سيبقى يوماً أو يومين ثم ينسى ما فعل, وبعد أيام من رجوعي إذ به يتصل بي.. واعدته ثم قابلته، فلما رآني انفجر باكياً وهو يقول: والله منذُ فعلتُ فعلتي تلك ما تلذذت بنوم إلا غفوات.. ما قولي أمام الله يوم أن يسألني ويقول: عبدي زنيت؟ فأقول نعم زنيت. فقال صاحبه: هوِّن عليك إن رحمة الله واسعة.

فقال الشاب: جئتك مودعاً ولعلي ألقاك في الجنة إن أدركتني وإياك رحمة الله.. قلت: إلى أين تذهب؟ قال: أُسلم نفسي إلى الشرطة وأعترفُ بجرم الزنا حتى يقام حد الله عليّ.

قلت له: أمجنون أنت، أنسيت أنك متزوج.. أنسيت أن حدُّ الزاني المحصن هو الرجم بالحجارة حتى الموت. قال: ذاك أهون على قلبي من أن أبقى زانياً وألقى الله زانياً غير مطهَّر بحد من حدوده.

قلت: أما تتقي الله.. أُستر على نفسك وأسرتك وجماعتك. قال: هؤلاء كلهم لا ينقذونني من النار وأنا أريد النجاة من عذاب الله.

فضاقت بي المذاهب وأخذته وقلت له: أريد منك شيئاً واحدا. فقال التائب: اطلب أي شيء إلا أن تردني عن تسليم نفسي إلى الشرطة.

قلت: امدد يدك عاهدني بالله أن تعمل وتصبر لما أقول. قال: نعم.. فعاهدني. قلت له: نتصل بالشيخ فلان من كبار العلماء وأتقاهم لله حتى نسأله في شأنك، فإن قال سلّم نفسك فأنا الذي سأذهب وأسلمك.. وإن قال لا.. فلا يسعك إلا أن تسمع وتطيع. قال: نعم. فسألنا الشيخ فقال: لا يسلم نفسه. ولكن هذا الشاب لم يهدأ بل ظل يتصل بالشيخ مرارا ليقنعه بتسليم نفسه..

ثم قال التائب لصاحبه: إني أودعك. قال: إلى أين؟ قال: أريد الحج... قال: فلما قابلته بعد الحج سألته فقال: لقد حججت وحدي وتنقلت بين المشاعر على قدمي لعل الله أن ينظر إليّ فيرحمني.

قال صاحبي: ولقد دامت الصلة والزيارات بيني وبين ذلك الشاب, وقد حفظ القرآن كله بعد الحج وأصبح يصوم يوماً ويفطر يوما. وإنني رأيت أحد العلماء فأخبرته بقصة هذا التائب وما كان منه من انكسار وإنابة وصيام وقيام وحفظ للقرآن، فقال هذا العالم: لعل زناه هذا يكون سببا لدخول الجنة، ولعل بعض الآيات تصدُق في حقه، قال تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما*يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً*إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدِّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماًْ).. الفرقان.

قال الصاحب: لما سمعت هذه الآية عجبت وقلت: كيف غفلت عن هذه الآية.. فولَّيت إلى بيت صاحبنا لأبشره فقال أهله: إنه في المسجد فذهبت إليه فوجدته منكسرا تالياً للقرآن.. فقلت له: عندي لك بشرى. قال: ما هي؟ فقرأت عليه: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلقَ آثاما*يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً*إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما).

فلما أكملت هذه الآية قفز فاحتضنني وقبَّل رأسي وقال: والله إني أحفظ القرآن، ولكن كأني أقرأ هذه الآية لأول مرة.

قال الصاحب: وفي يوم من الأيام وكان يوم جمعة وبعد العشاء من ذلك اليوم اتصل بي رجل.. فقال أنا والد صاحبك أحمد وأريدك في أمر مهم. فخرجت مسرعا خائفا، فلما بلغت قصره إذا بالأب يقف على الباب فسألته ما الخبر؟

قال: صاحبك أحمد يطلبك السماح، لقد انتقل مغيب هذا اليوم إلى ربه.. ثم انفجر الأب باكيا.

يقول الصاحب وأنا أُهوِّن عليه: وبقلبي على فراق حبيبي وصديقي مثل الذي بقلب والده.. ثم أدخلني في غرفة كان الشاب فيها مسجَّى فكشفت عن وجهه فإذا هو يتلألأ نوراً.. فسألت والده عن موته، فقال الأب: إن ولدي بقي عصر هذا اليوم في المسجد وقبيل المغرب ذهبت إليه فقلت يا أحمد.. تعال أفطر في البيت.. فقال: يا والدي أحس بسعادة فدعني الآن.. وبعد الافطار أحسست بشيء يخالج قلبي، فبعثت ولدي الصغير إلى المسجد لينظر في أمر أخيه؟ فذهب الولد وعاد صارخا يا أبتي يا أبتي.. أخي أحمد لا يكلمني.

يقول الأب: فخرجت مسرعا إلى المسجد فوجدت ولدي أحمد ممدودا وهو في ساعة الاحتضار، فأسندته إليّ.. فنظرت إليه فإذا هو يذكر اسمك وكأنه يوصي بإبلاغ السلام عليك, ثم ابتسم ابتسامة في ساعة الاحتضار.. والله ما ابتسم ابتسامة مثلها من يوم أن جاء من سفره، ثم قرأ في تلك اللحظة:

(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما*يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا*إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات).

قال الأب: فلما بلغ هذه الكلمة فاضت روحه وأسلمها إلى باريها.. رحمه الله.

التاريخ : 25-08-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش