الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ذكرى ولادة احد اعظم الروائيين العالميين ومبدع «الحرب والسلام» و«انا كارنينا» * ليو تولستوي.. الباحث عن الحقيقة

تم نشره في السبت 9 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
ذكرى ولادة احد اعظم الروائيين العالميين ومبدع «الحرب والسلام» و«انا كارنينا» * ليو تولستوي.. الباحث عن الحقيقة

 

 
الدستور ـ اعداد: كوثر صوالحة
عندما نسمع "الحرب والسلام وانا كارنينا" لا بد ان ينطلق الى اذهاننا مباشرة اسم اعتبره الكثيرون من عمالقة الروائيين والادباء في العالم ومن اعمدة الادب الروسي في القرن التاسع عشر لانه لم يكن فقط كاتبا روائيا بل كان مفكرا اصلاحيا وداعية الى السلام وصاحب فكر اخلاقي مميزا انه الكونت ليو تولستوي. وبالرغم كل هذا كانت حياة الكونت تولستوي مختلفة عما قد يتخيله البعض عن أديب وكاتب عظيم مثله. ففي النهار كان يحرث الارض ويقطع الاخشاب ويصنع الأحذية ويصلح سقوف منازل الفلاحين. اما في المساء فيأتي دور الروايات الطويلة والكاملة. وكان في تلك الروايات كل ما يعكس الحياة الانسانية: من ضلال وعذابات وسعادة وألم وتوق الى المثل العليا.
ولادته
ولد ليو تولستوي في التاسع من ايلول من عام 1828 ضمن بيئة مسيحية متدينة وفي بلدة صغيرة تمتلكها عائلته الارستقراطية وهي تدعى "ياسنايا بوليانا" وتقع بالقرب من مدينة موسكو.
تلقى الدروس الدينية المسيحية في عمر صغير جدا حيث كان يذهب كثيرا الى الكنيسة ويؤدي كافة الصلوات والطقوس الدينية الا انه عندما بلغ سن الثامنة عشر وجد ان ما يقوم به لم يكن مبنيا على قواعد وقناعات اساسية فانصرف عن ذلك لانه كان يكره الكذب كثيرا ، وقد قال عن هذه الفترة "كان داخلي شعور ما باني اؤمن بشي ما اؤمن بإله ولا انكر وجوده ولكن اي إله؟ ، لم اكن ادرك على وجه التحديد اذكر ايضا اني لم اكن انكر تعاليم المسيح ، لكن ماذا كانت تعني لي هذه التعاليم وقتها؟ ، لا استطيع ان اعرف تماما".
تغير واضح في الافكار وبحث عن شيء ما
بدا الشاب تولستوي من ذلك الوقت بتغير العديد من افكاره التى كانت سابقا محور اهتمامه حيث يبدأ تولستوي بالتعرف والاختلاط مع العديد من افراد الطبقة المثقفة مثل الشعراء والكتاب الذين كانوا يعتبرون انفسهم في ذلك الوقت اصحاب النظريات العلمية الحديثة واهل الحضارة والتمكن في كل شي ، ويقول تولستوي عن هذه المرحلة "كنا نتحدث جميعا في وقت واحد ولا يستمع احد للاخر احيانا يمتدح واحد منا صاحبه انتظارا لمدحه في المقابل واحيانا تتعالى صرخات الاعتراض فيما بيننا كما لوكنا في مستشفى للامراض العقلية".
احداث كثيرة اثرت في مجريات حياته وافكاره
كان القدر يقف مع تولستوي ليس بالحظ ولكن بأمور دعت الى تغير الكثير من افكاره وتطلعاته للحياة حيث شاهد في احدى رحلاته الى باريس شبانا تقطع رؤوسهم من قبل السلطة بحجة انهم اعداء فترك هذا الموقف الكثير من الانفعالات الداخلية المختلفة التي اثرت في حياته مستقبلا ، اضافة الى وفاة شقيقه الاكبر بعد ان عانى كثيرا من المرض ويقول في هذه الفترة وضمن اعترافات له سجل فيها ما تركته الكثير من المواقف واثرها في حياته "مات دون ان يفهم لماذا كان يعيش او لماذا مات".
تولستوي يبحث عن المعنى الحقيقي للحياة
هذان الحادثان جعلا من تولستوي شخصا اخر ، انسانا يبحث عن معنى الحياة ووجودها ، ولماذا وجد الانسان اصلا لذلك وحتى لا ياخذه هذا التفكير بعيدا رأى ان يعيش حياته بطريقة عادية كما كل البشر وراى ان تكوين اسرة قد يخفف من وطاة التفكير بهذه الامور التي لا يعرف الى اين سوف تاخذه. فتزوج وكان في عمر الثلاثين ليعيش مع زوجته زمنا طويلا وليرزق باربعة اطفال مميزين كما كان يقول ولتمضي حياته لمدة خمسة عشر عاما فقط من اجل اولاده وعائلته ووضع هدف محدد للموضوع او لحياته وهو "توفير افضل حياة لهذه الاسرة".
حياة مستقرة الا انه ما زال يبحث عن شيء ما
على الرغم من انه كان يتمتع بكل شي من اجل الاستمتاع بالحياة الا انه لم يكف عن البحث عن الكثير من الامور الاعمق عن شيء ما لايعلم ما هو رغم انه يمتلك كل ما يريده الانسان في الحياة من امور مادية ولكن هو يبحث او ينظر الى امور اخرى بعيدة تماما عن كل ماهو مادي.
فكر بالانتحار كما يقول ضمن اعترافاته التي نستقي الكثير منها من اجل التعرف على مجريات حياته حيث يدخله هذا التساءل والبحث في حالة من العزلة والاكتئاب النفسي الكبير تؤدي به الى التفكير بالتخلص من حياته والتفكير بالانتحار.
ويقول في اعترافاته عن هذه المرحلة "حسن سيكون عندك 600 فدان في اجمل المناطق 300و حصان وماذا بعد؟" ، حسن ستكون اكثر شهرة من جوجال وبوشكين وشكسبير وموليير بل وكل كتاب العالم وماذا بعد؟".
رحلة من العذاب المتواصل
نعم هذه الفترة كانت سلسلة من العذابات لهذا المفكر الذي يريد ان يصل الى شيء ما شيء يعطيه ولا ياخذ منه ، شيء يدله على الطريق الصحيح للحياة ما معنى الحياة؟ وما الذي ينتهي بقدوم الموت؟.
بحث في الكتب والمراجع ولم يتوصل الى شيء اراد الخروج من كل ما يحيط به من مثقفين واسرة ومراجع بعد ثلاث سنوات من البحث المتواصل الذي لم يوصله الى شيء مما يريده بل انه راى ان كل من يساله عن هذا الموضوع لا يستطيع الا الهرب ووجد ان الانسان في هذا الموضوع لا يجيد اصلا الا فن الهرب.
فقرر اخيرا ان يجد الجواب في مكان آخر في الطبقة البعيدة عن بيئته ومكانه فذهب الى العامة.
مساعدة ابناء الطبقة الشعبية له
عندما دخل الى ابناء هذه الطبقة الشعبية استطاع ان يلمس شيئا ما في الحياة مغايرا لكل ما يراه حيث وجد انهم يعيشون معنى الحياة بكل تفاصيلها حتى لو لم تكن لديهم القدرة على التعبير عن ما يجول في داخلهم.
ولكن لمس لديهم الشعور بالسعادة والرضا وقد اعاد تولستوي ذلك الى عدم انغماسهم بالتفكير المادي الذي سيطر على كل الحياة الأخرى والناس الاخرين من الطبقات الاعلى.
شعر تولستوي بالراحة بالعيش معهم بالعيش مع هؤلاء البسطاء الا انه لم يجد بعد رغم سعادته ما يريد.
تولستوي يصل الى العقيدة
بعد هذا العناء المتواصل في البحث عن معنى الحياة الحقيقة ولم يجده توصل اخيرا الى اهم كلمة قد تساعده على الحياة بالشكل الافضل الا وهو الاعتقاد والايمان بشيء ما فاستطاع ان يصل الى كلمة العقيدة واستطاع ان يقتنع ان الشيء الوحيد الذي لا يموت في الحياة هو ايمان الانسان وبقائه مع الله بعقله وقلبه وبفهمه لحقيقة الامور.
ايقن تولستوي في هذه الفترة من حياته ان هناك انواعا من المعرفة تختلف عن معرفة العقل هذه المعرفة المؤقتة التي تتوقف عند حد كل ما هو مؤقت الا انها لا تصل الى منطق الخلود في الحياة او الى منطق فهم حقيقة الموت ويقول تولستوي في هذا "اذا غاب عن الانسان الفهم والبصيرة بان كل ما هو مؤقت ليس الا نوعا من الوهم فانه لن يؤمن الا بما هو مؤقت اما اذا راى ببصيرته ان كل ما هو مؤقت ليس الا وهم فحينئذ سيؤمن بما هو باقْ ودائم".
البحث عن المسيحية
من هذه المعرفة انطلق تولستوي الى التعرف اكثر على المسيحية ومن خلال رجال الدين الذين يعرفهم والذي كان يسالهم عن ما يدور بداخله عن حقيقة الحياة والموت وكل هذه الثوابت الموجودة في عقله والتي يبحث عنها الا انه وجد ان هؤلاء لا يعلمون شيئا عما يريد وآمن ايضا ان رجال الدين اولئك هم كبقية القوم بل رآهم اكثر بعدا لانهم لا يعيشون حياة يطبقون فيها ما يقولون انهم مثل غيرهم من لا يؤمن بعقيدة معينة بل هم اكثر لانهم يؤمنون بالحياة المادية والثراء اكثر من غيرهم.
وجد تولستوي ان جميع الابواب مغلقة امامه فاتجه الى من يبحث عنه الى الله لانه راى انه المنقذ الوحيد له في هذه الفترة ويقول تولستوي "ادعو من ابحث عنه عله يساعدني وكلما دعوته كلما بدا لي انه لا يسمعني ولا يوجد من الجا اليه ابدا وبقلب مليء بالحزن توجهت من جديد اصرخ: يا الهي، رحمتك، انقذني، ارني الطريق".
وكانت هذه هي اللحظة الفاصلة في حياة تولستوي حيث وجد ما يبحث عنه حيث اقتنع وآمن ان الله هو معنى الحياة وقال تولستوي "اقوى من اي لحظة اخرى في حياتي اشرق كل شي داخلي ومن حولي بالنور... ولم يفارقني هذا النور ابدا".
نقطة فاصلة في حياة تولستوي
نعم وصل تولستوي اخيرا الى النقطة الفاصلة في حياته نقطة وصوله الى المعرفة الحقيقة وهي التقرب الى الله الذي هو معنى الخلود في الحياة والممات والحقيقة الوحيدة الباقية في هذا العالم وكانت هذه الفترة هي فترة الميلاد الحقيقي لحياة تولستوي الفترة التي اراحت عقله وقلبه وحياته. حيث بدا يميز بين الحقيقي والمزيف في حياته ككل وبدا يعلم ان حقيقة الحياة هو الايمان بالله خالق الكون والبشرية.
كتاباته
شرع تولستوي في الكتابة بعد ان هجر الدراسة في جامعة كازان عام 1844 وبدا يثقف نفسه كثيرا وبعد ذلك اخذ بالتعبير عن نفسه من خلال الكتابة حيث كتب في تلك الفترة ثلاثة روايات هي "الطفولة" ، "الصبا" ، "الشباب".
وتعد روايته "الحرب والسلام" من اروع ما كتب وقد تم نشرها بشكل كامل عام 1869 وهذه الرواية لمن لم يقرأها تروي تسلسل التاريخ لخمس اسر روسية مع التركيز بالطبع على ما تمر به هذه الاسر من تجارب انسانية وما كان دائما يستهوي تولستوي من احداث في الحياة مثل "الولادة النمو النضج الزواج الاطفال وانجابهم مرحلة الشيخوخة واخيرا طبعا ما كان دائم البحث عنه تولستوي الموت".
ومن اهم اعماله ايضا "آنا كارنينا" والتي صدرت مجزأة ولكن متسلسلة من عام 1875" الى عام "1877 والقصة تدور حول الخيانة من خلال اميرة روسية ويتخلل الرواية العلاقة التي تربط آنا مع الكونت فيرونسكي وتصوير الرومانسية التي تجمع بينهما ولكن ونظرا للصعوبات التي تواجه حبهما تقدم في نهاية القصة البطلة على الانتحار ويؤكد النقاد ان قصته هذه لم تكن سرد لاحداث قصة الحب فقط بل حملت في طياتها الكثير من مناقشة القضايا الاخلاقية والانسانية والاجتماعية والفلسفية لروسيا القيصرية وللارستقراطين فيها.
بعد ذلك قدم تولستوي كتابه "ما هو الفن" وهوالكتاب الذي اضفى من خلاله على الفن الكثير من الصفات الدينية والاخلاقية والاجتماعية.
ثم اتجه تولستوي الى كتابة العديد من الروايات التي اخذت منحى اخر واسلوبا مميزا في الاعمال الروائية الخاصة به والتي تناولت معنى الحياة وتحول الابطال لديه من الارستقراطيين والنبلاء الى البسطاء من ابناء الشعب العاديين حيث نشر "وفاة ايفان اليش" ثم "البعث" ، "الشيطان" التي ركزت في مضمونها الى عاطفة الحب وما تحمله من الغيرة.
وكانت هناك رواية جميلة جدا ان دلت على شيء فتدل على قدرة هذا المفكر على الابداع وهي رواية الحاج مراد والتي نشرت بعد موته وتروي قصة زعيم احدى القبائل في جبال القوقاز.
وهذه الرواية اخذت باتجاه التحليل النفسي ولكن بطريقة العالم بالشيء حيث اثبتت انه كان على دراية بالكثير من الدراسات العلمية حول هذا الموضوع اضافة الى ذلك كتب تولستوي العديد من الاعمال المسرحية مثل "قوة الظلام".
كان اكثـر من اديب
من خلال مسيرة حياته وافكاره اثبت تولستوي انه كان اكثر من اديب وكاتب بل كان مفكرا وفيلسوفا واخلاقيا كبيرا آمن بالمقاومة ولكن السلمية منها نبذ العنف والكراهية حض على المحبة التي تبدأ من محبة الله والايمان بالعقيدة.
تعمق في الدراسات الدينية وهاجم الكنيسة الارثوذكسية الروسية حتى نبذته وكفرته الا ان الكثيرين من آمنوا بافكاره التفوا حوله.
لتولستوي الكثير من الاراء التي تبين شخصية هذا المفكر والاديب ومنها حرية التعلم للاطفال وحب الطفل واحترامه اضافة الى ضرورة محاسبة النفس والعمل على تحسينها كما شدد على اهمية التربية للجميع ، وانها دين على الجميع اضافة الى ارائه الخاصة ونظرته للمعلم الذي لا بد ان يكون ذو شخصية مميزة وصفات خاصة.
اضافة الى تركيزه على ضرورة التعبير الخلاق عن النفس من خلال الفنون المختلفة وهناك الكثير من الاراء الخاصة بـ "تلوستوي" والتي تدل على انه مفكر خلاق وتدل على انسانية هذا الكاتب والاديب الذي كان شرقيا في افكاره اكثر مما كان اوروبيا.
رأي خاص بالاسلام
لتولستوي رأي خاص بالاسلام وبشخصية هادي الامة وخاتم الانبياء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حيث يقول "ان النبي محمدا من عظام الرجال المصلحين ويكفيه فخرا انه هدى امة برمتها الى الحق وجعلها تجنح الى السكينة والسلام".
وفاته
توفي الكاتب والاديب الروسي تولستوي وهو في سن الثانية والثمانين بعد اصابته بالتهاب رئوي حاد في العشرين من شهر تشرين الثانـي عام 1910 تاركا وراءه ارثا ادبيا واراء فلسفية ما زالت خالدة الى الان ، وكانت اخر كلماته "لقد انتهى كل شيء تلك هي النهاية وهذا لايهم" ، ومن اهم كلماته ايضا "الحياة الروحية تعاش لا تلقن ، وكسب الحياة يكون بخدمة الناس لا باعتزالهم ، وفهم الكتاب المقدس هو بحرية العقل ونقاء القلب لا بالتردد".
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش