الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نجوم خارج دائرة النسيان يكتبها لـ «الدستور» عاطف النمر *نجيب محفوظ.. ابن حارة الجماليةو«سي السيد» الرواية العربية التي وصل بها للعالمية

تم نشره في الخميس 7 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
نجوم خارج دائرة النسيان يكتبها لـ «الدستور» عاطف النمر *نجيب محفوظ.. ابن حارة الجماليةو«سي السيد» الرواية العربية التي وصل بها للعالمية

 

 

برحيل نجيب محفوظ انطفأت اهم شمعة بين شموع الادب العربي الحديث ، بل اهم قنديل واهم سراج وصل بنا للعالمية ، جعل العالم كله بشرقه وغربه وشماله وجنوبه يتعرف علينا من خلاله ، لا ابالغ عندما اقول ان نجيب محفوظ هو اهم اديب ومفكر ومتنبىء عربي في القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين ، لا ابالغ عندما اقول ان نجيب محفوظ لم يسع طوال حياته من اجل شيء ، بل كانت كل الاشياء هي التي تسعي اليه ، لم يسع لجائزة نوبل ، بل هي التي سعت اليه ، لم يسافرلاستلامها بنفسه برغم انه كان في صحة جيدة وقت ان نالها وصحته تسمح له بالسفر ، لكنه اناب عنه الكاتب محمد سلماوي زوج ابنته لالقاء كلمته في حفل تسلم الجائزة التي تسلمتها عنه ابنتاه فاطمة وام كلثوم ، لم يركب الطائرة الا لمرة واحدة وبامر من الرئيس عبد الناصر عندما سافر لمهمة في يوغوسلافيا ، لم يكن يطيق مغادرة عالمه في الازقة والحواري والمقاهي الشعبية التي تعود عليها في القاهرة والاسكندرية ، لم يسع لان تنقل السينما رواياته ، بل سعت السينما اليه لتجعل منه أول روائي عربي يكتب للسينما سيناريوهات سينمائية مباشرة ، لم يسع لوسام او نيشان او قلادة النيل ، اتته الاوسمة والنياشين والقلادات والجوائز دون ان يطلبها ، لم يسع لمنصب فأتته المناصب الثقافية الفنية الرفيعة التي كان فيها مثالا للانضباط ويؤديها بمحبة ، الشيء الوحيد الذي كان يسعى له نجيب محفوظ هو الناس ، البحث عنهم ، الاقتراب منهم ، معايشة حياتهم وتلمس همومهم ومشاكلهم وسماع نكاتهم الفطرية وقفشاتهم الشعبية التي تنم عما يتمتعون به من خفة ظل حتى في احلك الاوقات ، لم ينفصل نجيب محفوظ طوال حياته عن الناس ، والبسطاء منهم بالذات الا بعد المحاولة الغادرة الفاشلة التي تعرض لها وكانت ترمي الى قتله واهدار دمه من شاب معتوه متطرف تم غسل دماغه بافكار مضللة ، الحادث البشع جعل نجيب محفوظ الذي اشع علينا بالنور والتنوير ، لا يقدر على الامساك بالقلم ولا تقوى يده على الكتابة ، تحول لرجل لا يكتب ، رجل يقرأ له الغير بعد ان كان مدمنا على القراءة ، رجل لا ذنب له سوى انه احب الناس وتعاطف مع البسطاء منهم فجاءت يد الغدر لتقضي عليه وتجعله حبيس بيته لا يتحرك ، حرمنا من جلساته وندواته التي كنا نسعى لها اينما يتحرك ويتنقل ، حرمنا من الهايد بارك الديموقراطي الذي كنا نشعر به في صحبته نستنير بفكره وآرائه ورؤاه ورؤيته ، لا ابالغ اذا ما قلت ان من يقرأ ادب نجيب محفوظ جيدا سوف يكتشف انه اكبر من جائزة نوبل ، وان التاريخ لن يجود بمثله او يأتي لنا بقامة روائية قصصية فكرية فلسفية تاريخية تضاهي قامته او تكون على نفس غزارة انتاجه الذي تركه وراءه لتستنير به الاجيال العربية.
(ابن الجمالية)
عرفت نجيب محفوظ مثل كل ابناء جيلي قبل ان اراه او التقي به ، عرفته من خلال ادماني لقراءة رواياته وقصصه القصيرة التي كنا نلتهمها في مرحلة الدراسة الثانوية والمرحلة الجامعية ، كنا وقتها نقرأها على مستوى ما تحمله من سرد في الحكاية ، لم نكن على بينة من مستوى السرد الرمزي الموازي لتلك الحكايا التي يقدمها من نبع الحارة والزقاق الشعبي ، روايات محفوظ وقصصه هي التي دفعت بنا ونحن في تلك السن لزيارة "خان الخليلي وزقاق المدق وبين القصرين والجمالية ودرب المهابيل" وغيرها من الاماكن التي شكلت البطل الأول في رواياته لنراها في الواقع ونرى الشخوص التي تناولها فيها ، بعد ذلك تحولت الى واحد من مريديه مع عدد من زملاء الدراسة الجامعية ، سمعنا انه يجلس في مقهى في "الفيشاوي" فذهبنا لنراه عن قرب ، وجدناه انسانا بسيطا متواضعا لدرجة يصعب وصفها ، بشوشا ضاحكا كريما ، يستمع لنا بلا ملل ، صدر يرحب بالشباب ، سمعنا عن ندواته التي كان يقيمها بمقهى "ريش" فاصبحنا من روادها ، صغر السن وقلة الخبرة جعلتنا نعيش حالة من الانبهار ونحن نشاهد "الاستاذ" ومن حوله كوكبة من كبار الكتاب والادباء والمفكرين والصحفيين ، كنا نستمع ونستمتع ونتعلم وتتفتح لدينا الآفاق على مناخ لم نجده من اساتذتنا بالجامعة ، تابعت رحلتي وراء انتقاله من ريش الى مقهى "علي بابا" و لقائه المعتاد مع شلة "الحرافيش" بكازينو "قصر النيل" الذي شاهدنا من خلاله احمد مظهر والمخرج توفيق صالح والمخرج صلاح ابوسيف ، وعندما دخلت بلاط صاحبة الجلالة الصحافة ، اقترحت على الاستاذ عبد الفتاح البارودي المشرف على الاقسام الفنية والثقافية ان يكون أول حوار اجريه مع نجيب محفوظ ، اتصلت به فحدد لي موعدا بمكتبه بجريدة الاهرام ، انتظرته على مدخل الجريدة ، شاهدته قادما من بعيد سائرا على قدميه يتأبط ملفا ابيض ومجموعة من الصحف ، رحب بي بحفاوة اخجلتني من تواضعه ، ايقنت لحظتها انه كبير في كل شيء ، منضبط في كل شيء ، يخرج من بيته بالعجوزة سيرا على الاقدام يعبر كوبري قصر النيل ، ومنه الى مقهى "علي بابا" يتناول قهوة الصباح ويطالع الصحف ، ثم يأخذ طريقه الى جريدة الاهرام ، في طريقه يلتقي بعشرات الناس من البسطاء الذين يقدمون له التحية يتوقف يتحدث مع بعضهم ، يومها تطرق حوارنا الطويل الى المؤثرات التي شكلت شخصيته واثرت على ادبه ، قال ان حارة الجمالية غالتي شهدت مولده وطفولته وصباه هي المؤثر الأول في تشكيل وجدانه الشعبي ، وحي الحسين الذي اثر في وجدانه الروحي ، حدثني عن مراحل تحصيله للعلم وقراءاته في الادب الشعبي والادب الاوروبي وميله لدراسة الفلسفة والتاريخ واعتبرهما المؤثر الثاني ، ثم عرج على المؤثر الثالث وهو مجموعة المقاهي التي تنقل بينها ، قال لي انه كتب رواية "الكرنك" على مقهى ريش ، واختار لها الاسم الرمزي من اعلان كان يعلو البناية المواجهة للممر الخارجي للمقهى الذي كان يجلس به ليتناول قهوته ، قلت له "لماذا كتبت فقط عن القاهرة القديمة والقاهرة الجديدة؟ لماذا لم تكتب عن الفلاحين والعمال؟ "اجاب بكل بساطة "لانني لا اعرفهم ، لم اعش بينهم ، بالتالي لم يحدث تفاعل بيني وبينهم في الواقع" ، من هنا وضعت لحواري معه عنوانا رئيسا هو "محفوظ نجيب القاهرة" ، تحدثنا عن رحلتة القدرية والحتمية مع السينما ، تحدثنا عن ازمة المسرح التي لخصها في غياب النشاط المسرحي المدرسي ، وتحول الاحواش في المدارس الى الفصول لزيادة عدد التلاميذ اواهمال كل الانشطة الفنية التي تنمي الوعي والتذوق الفني عند التلاميذ في مرحلة مبكرة ، فتخلق في المستقبل انسانا واعيا بقيمة الفنون الراقية.
(سينما محفوظ)
لا يمكن لهذه المساحة ان تستوعب رصد كل شيء في حياة راحلنا الكبير نجيب محفوظ ، ولذا اود هنا ان اركز على قيمة الرجل من خلال تحليل اعماله ، اكثر من الحديث عن حياته الشخصية ، واقصد التأثير الشعبي الذي حققه من خلال السينما التي ارتبط بها بشكل قدري وحتمي في نفس الوقت ، فمن حيث قدرية هذه العلاقة التي لم يرتب او يخطط لها ، او يسع اليها ، بل هي التي سعت اليه على غير سعيها بالنسبة لغيره من الكتاب والادباء والروائيين ، فقبل المسعى وسار فيه ليصبح أول روائي يكتب للسينما بشكل مباشر ، الامر الذي تولدت عنه حتمية العلاقة فيما بعد ، وهذه الحتمية هي التي فرضت شخصية نجيب محفوظ وعالمه الخاص على السينما العربية ، وجعلت السينما في نفس الوقت تفرض ما لها من تأثير غير محدود في انتشار شعبية ادب نجيب محفوظ الذي يحتاج لقراءة خاصة ، القدرية والحتمية معا هما ما جعل منه الروائي الاكثر شهرة والاكثر شعبية والاكثر ارتباطا بالسينما منذ عام 1946 الذي بدأ فيه كتابة السيناريو والحوار للسينما مباشرة ، ثم تقلد بداية من عام 1959 عدة مناصب سينمائية ادارية وفنية مهمة حتى احالته للمعاش في عام 1971 ، فخلال هذه الفترة عمل مديرا للرقابة علي المصنفات الفنية ، ثم مديرا لمؤسسة السينما ، ثم مستشارا لوزير الثقافة لشؤون السينما ، قدرية العلاقة بين الراحل الكبير نجيب محفوظ والسينما ترجمها لي ذات مرة في الحوار الوحيد الذي اجريته معه قائلا "عرفني صديقي المرحوم الدكتور فؤاد نويرة بالمخرج صلاح ابو سيف وطلب مني ان اشاركهما كتابة سيناريو فيلم للسينما اخترنا له فيما بعد اسم "مغامرات عنتر وعبلة" ، كان صلاح ابو سيف هو صاحب فكرة الفيلم وقد شجعني للعمل معه انه قرأ لي رواية "عبث الاقدار" ، واوهمني بان كتابة السيناريو لا تختلف عما اكتبه عندما سألته عن ماهية كتابة السيناريو التي لا اعرفها ، والحقيقة انني تعلمت كتابة السيناريو على يد صلاح ابو سيف الذي كان يشرح لي في كل مرحلة من مراحل الكتابة ما هو المطلوب مني بالضبط ، كنت انفذ ما يطلب واعرضه عليه للمناقشة التي كان يشاركنا فيها الدكتور فؤاد نويرة ومعنا كاتب الحوار والاغاني عبد العزيز سلام" ، بتلك المصادفة بدأت العلاقة القدرية في أول لقاء بين نجيب محفوظ وصلاح ابو سيف الذي لم يختر واحدة من روايات نجيب ليحولها للسينما ، انما اختاره لمشاركته في كتابة سيناريو فكرة كانت تدور في رأس صلاح نفسه ، والغريب والمثير في الموضوع ان محفوظا لم يثر هذا الموضوع مع صلاح ابوسيف ، لم يقل مثلا "لماذا لم تحتاروا رواية من رواياتي؟ او كيف اتعامل مع السينما لأول مرة من خلال فكرة لغيري؟"، شيء من هذا لم يحدث ، بل انه قبل خوض التجربة وبرغم انه لم يكن يمتلك ادوات وحرفية كتابة السيناريو التي تعلمها من صلاح ابوسيف ، فهذه الادوات سوف ينعكس تأثيرها فيما بعد في القوالب التي كتب بها رواياته ، تلك هي قدرية العلاقة التي اقصدها ، اذ انني افترض انه لو لم يكن صلاح ابو سيف قد دفع بنجيب محفوظ لهذه التجربة لربما كانت العلاقة الحتمية بين نجيب محفوظ والسينما قد تأخرت لفترة زمنية طويلة ، او ربما ما كانت هذه العلاقة قد قامت من الاساس ، وما كان نجيب محفوظ قد سعى اليها او فكر فيها ، وكان قد ظل مثل غيره من الكتاب والادباء الذين نقلت السينما بعض اعمالهم الروائية الى الشاشة الكبيرة والصغيرة دون ان يكون لهم علاقة مباشرة مع السينما كوسيط ابداعي مختلف ، لقد ادت العلاقة القدرية والحتمية التي ربطت بين نجيب محفوظ والسينما الى جعله اكثر الادباء حضورا وتأثيرا في السينما العربية ، سواء من حيث الافلام التي كتب لها القصة او السيناريو او الحوار او احد هذه العناصر ، او من حيث الافلام التي اخذت عن قصصه ورواياته فيما بعد وتصدى لمعالجتها كتاب سيناريو آخرون ، ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة قضية امانة تلك المعالجات من عدمها ، او من حيث اتفاقها او تعارضها مع ما جاء في الفصل الروائي عند نجيب محفوظ ، ويكفي ان ندلل على مدى حضور وتأثير نجيب محفوظ في السينما العربية بان الناقد سعدالدين توفيق عندما قام بحصر افضل مائة فيلم في تاريخ السينما العربية عام 1969 توصل الى ان من بين هذه المائة فيلم ، احد عشر فيلما من الافلام التي كتب لها نجيب محفوظ السيناريو او القصة او هما معا ، وستة افلام من الافلام التي اخذت عن رواياته ، فيكون المجموع 17 فيلما من المائة ، وهي بحسب ترتيب ظهورها "لك يوم يا ظالم ، ريا وسكينة ، الوحش ، جعلوني مجرما ، درب المهابيل ، شباب امرأة ، الفتوة ، احنا التلامذة ، بين السماء والارض ، بداية ونهاية ، اللص والكلاب ، الناصر صلاح الدين ، الطريق ، القاهرة 30 ، خان الخليلي ، السمان والخريف".
(مغامرات عنتر وعبلة)
في عام 1945 دخل اديبنا العالمي الراحل نجيب محفوظ عالم السينما الساحر بفيلم "مغامرات عنتر وعبلة" كما اشرنا من قبل ، بعدها كتب سيناريو فيلم "المنتقم" الذي عرض عام 1947 ، وقد تأخر ظهور الفيلم الأول حتى عام 1948 لظروف انتاجية ، والفيلمان من اخراج صلاح ابو سيف ، وقد استمر محفوظ في الكتابة للسينما بشكل مباشر حتى عام 1960 ، وتسمى هذه الفترة بالمرحلة الأولى من سينما نجيب محفوظ التي قدم خلالها 18 فيلما ، تبعتها المرحلة الثانية التي نقلت فيها السينما عن قصصه ورواياته ، وقد بدأت هذه المرحلة بفيلم "بداية ونهاية" ، وفي المرحلة الأولى من سينما نجيب محفوظ نكتشف ان له تجارب فريدة من نوعها تخرج عن اطر السينما التي كانت سائدة في هذه الفترة ومنها فيلم "بين السماء والأرض" الذي كتب له نجيب القصة السينمائية فقط ، مثلما كتب للسينما قصة "ريا وسكينة" عن حادثة واقعية تابعها من خلال نشرها بالصحف ، وقصة "الوحش" التي استمدها صحفيا ايضا من خلال ما كان ينشر عن "سفاح الصعيد" ، في هذه المرحلة ايضا اقدم نجيب محفوظ على تجربة فريدة اخرى عندما كتب السيناريو لقصتين من قصص احسان عبد القدوس هما "الطريق المسدود" و "انا حرة" ، وكانت اول مرة يكتب فيها روائي كبير معالجات سينمائية لروائي آخر ، ويتجلى لنا من هذه التجربة عمق الامانة التي اتسم بها نجيب محفوظ في نقل افكار احسان عبد القدوس الى الشاشة ، وهو الامر الذي لم يفعله اغلب كتاب السيناريو مع ادب وروايات نجيب محفوظ عندما تصدوا لنقل رواياته للشاشة ، لقد افرزت المرحلة الأولى والثانية في علاقة نجيب محفوظ بالسينما عدة خصائص مهمة تشكل اهم ملامح سينما نجيب محفوظ ، فقد اصبح المكان في افلامه ليس مساحة خالية من الفراغ تتحرك داخلها الشخصية ، انما تحول المكان الى شخصية حية بما له من تاريخ وتقاليد تشكل الاحداث ولا تنفصل عن تكوين شخوص العمل ، وقد حمل الكثير من افلامه عناوين هذه الاماكن مثل "درب المهابيل" و"زقاق المدق" و"فتوات الحسينية" و"خان الخليلي" وغيرها ، ايضا هناك سمات مميزة للشخصيات التي قدمها في هذه الافلام واغلبها يدور في اطار شخصية "ابن البلد" في صورها المختلفة ، وهي دائما شخصيات مطحونة جائعة للمال كما في فيلم "النمرود" ، او جائعة للجنس كما في فيلم "شباب امرأة" ، او مدفوعة للجريمة كما في فيلم "احنا التلامذة" و "جعلوني مجرما" ، او ضعيفة تبحث لنفسها عن حل تجاه كل ما يواجهها من ظروف ، سواء كانت قدرية او اجتماعية او سياسية كما في فيلم "الهاربة" و "انا حرة" ، واغلب هذه الشخصيات اثناء بحثها عن الحل تخطىء الطريق كما في "الفتوة" و "احنا التلامذة" ، وتتسم ايضا سينما نجيب محفوظ بالواقعية واحيانا بالواقعية الرمزية ، وتتسم ايضا بالنقد الاجتماعي الذي يبرز العوامل التي ادت الى الانحراف بهدف التوجيه لاجتنابه ، فهو في فيلم "الوحش" يحمل المجتمع مسؤولية تمادي المجرم في سطوته ، وفي "درب المهابيل" يسخر من الذين يريدون الحصول على المال بشكل سريع ودون مجهود اوعمل ، وفي فيلم "الفتوة" يوجه نقدا مباشرا للسخرية من النظام الرأسمالي الذي يحول الانسان من حمل وديع الى ذئب متوحش.
(مهرجانات وجوائز)
ولا يفوتنا في معرض هذا الحديث الاشارة الى المسحة الميلودرامية التي غلبت على افلامه من خلال المبالغات في التعبير عن المآسي التي تتعرض لها شخوص رواياته والصدف الكثيرة التي تلعب دورا كبيرا في الاحداث مثلما شاهدنا في فيلم "لك يوم يا ظالم" و"الهاربة" و "جعلوني مجرما" و"بداية ونهاية" ، ان مجمل هذه السمات التي لم نتحدث عنها بتفصيل كامل في الافلام التي كتب لها نجيب محفوظ القصة السينمائية او السينارية او الاثنين معا ، ورغم اختلاف مخرجي هذه الافلام فالامر في النهاية يعني ان نجيب محفوظ هو كاتب القصة والرواية والسيناريو الوحيد في تاريخ السينما العربية الذي استطاع ان يفرض شخصيته على السينما ، لان نفس هذه السمات التي تحدثنا عنها سوف نجدها بنسب متفاوتة في الافلام التي نقلتها السينما عن رواياته ولم يشارك في كتابة السيناريو او الحوار لها ، وبقي ان نقول ان افلام نجيب محفوظ ، سواء التي كتب لها القصة السينمائية او السيناريو ، او التي نقلت عن رواياته قد حققت الكثير من المشاركات في المهرجانات السينمائية الدولية ، وحصل اغلبها على الكثيرمن الجوائز البارزة ، فقد عرض فيلم "المنتقم" في مهرجان كان عام 1949 ، وعرض فيلم "مغامرات عنتر وعبلة" في برلين وموسكو ، ونال فيلم "ريا وسكينة" شهادة تقدير من مهرجان برلين ، بينما عرض فيلم "الوحش" في مهرجان كان ، ونال فيلم "شباب امرأة" جائزة النقاد في مهرجان كان ، وجائزة الدولة في الاخراج وعرض في مهرجان برلين واسبوع الفيلم في الاتحاد السوفيتي ، وبالمثل عرض فيلم "الفتوة" في مهرجان برلين واسبوع الفيلم العربي ، وحصل فيلم "انا حرة" الذي كتب له السيناريو نجيب محفوظ عن قصة احسان عبد القدوس على جائزة المركز الثقافي بميلانو ، ونال فيلم "شباب امرأة" على جائزة مهرجان "ماردل بلاتا" بالارجنتين ، بينما نال فيلم "بين السماء والأرض" جائزة اجرأ مخرج من المركز الكاثوليكي المصري ، وهناك افلام اخرى له شاركت في مهرجانات دولية اخرى انتزعت فيها العديد من الجوائز ومن بينها "الناصر صلاح الدين" و"اللص والكلاب" و "زقاق المدق" و"بين القصرين" و"الطريق" و "خان الخليلي" و "القاهرة "30 و"قصر الشوق" و "السمان والخريف" و"ميرامار" و "السراب" و"ثرثرة فوق النيل" و "جميلة بوحريد" و "النمرود" ، ان كل هذه الافلام ما كان لها ان تحقق ما حققته من نجاحات غير مسبوقة في تلك الملتقيات السينمائية الدولية لو لم تكن تحمل فكر ورؤى وابداعات نجيب محفوظ ، دون ان نتغاضى بالطبع عن بقية عناصر الفيلم وابداعات الآخرين في تفسيرهم وتجسيدهم لافكاره ومضامين اعماله التي يطرحها سواء فيما كتبه للسينما بشكل مباشر او ما نقلته السينما عن رواياته ، وان كنا نؤكد ان ما كتبه محفوظ للسينما بشكل مباشر هو الذي يحمل افكاره ورؤاه بشكل خالص ، اما اغلب ما نقلته السينما عن رواياته فهو لم يكن على درجة من الامانة ويقل كثيرا عن مستوى الرواية المنقول عنها ، بل ان بعضها يتعارض مع فكر واطروحات نجيب محفوظ التي طرحها في رواياته ، وابلغ مثال على ذلك ، تلك المعالجة التي قدمتها السينما لفيلم "ميرامار" او"ثرثرة فوق النيل" و غيرها.
(يحيي ويميت)
هناك جانب آخر في مشوار نجيب محفوظ الادبي لا يتوقف امامه الكثيرون ، وهو العلاقة التي ربطت بينه وبين المسرح ، فقد عرفه الناس كقاص وروائي وصلت به رواياته للعالمية ونيل جائزة نوبل ، لم يدع نجيب محفوظ في يوم من الايام انه كاتب مسرحي ينافس قائمة عمالقة كتاب المسرح ، وهذا لا يعني ان المسرح لم يكن يقع في دائرة اهتمامه كقالب من قوالب العمل الدرامي ، عشق محفوظ المسرح كقارىء ومشاهد ومتابع ، قال لي في حوار آخر اجريته معه في نهاية الثمانينيات ، ان الموضوع هو الذي يفرض على الكاتب اختيار قالبه وبنائه الفني ، لهذا انحصر عالم نجيب محفوظ بالدرجة الأولى في القصة والرواية والسيناريو الذي كتبه مباشرة للسينما ، ومع ذلك لم يبخل محفوظ على المسرح فكتب له مباشرة ست مسرحيات قصيرة هي "يحيي ويميت ، التركة ، النجاة ، مشروع للمناقشة ، الجبل ، الشيطان يعظ او مدينة النحاس" ، ثلاث من هذه المسرحيات قدمها المخرج احمد عبد الحليم على مسرح الطليعة ، بينما قدم المخرج شريف عبد الطيف مسرحية "الشيطان يعظ" على المسرح القومي بعنوان "مدينة النحاس" في عام 1998 ، وكما نهلت السينما من روايات وقصص نجيب محفوظ بعد توقفه عن كتابة السيناريو ، وجد المسرح في رواياته الملاذ الواقعي الشعبي الذي لاقى قبولا جماهيريا كبيرا ، لم تكن هناك صعوبة تذكر في مسرحه ورواياته وقصصه التي تتسم اصلا بالحوار والديالوج المسرحي داخل النص الاصلي ، وقد التفت المسرح في فترة مبكرة جدا الى ادب نجيب محفوظ فقدم له المسرح القومي في عام 1959 مسرحية"بداية ونهاية" التي اعدها انور فتح الله واخرجها عبد الرحيم الزرقاني واستمر عرضها حتى عام نهاية 1963 ، كانت المرة الأولى التي يمتد فيها عرض مسرحية لاربعة مواسم مسرحية متواصلة ، نفس الرواية اعدها احمد عبد المعطي وقدمها المخرج فتحي الحكيم للمسرح القومي في عام 1975 ، واعيد تقديمها في نهاية التسعينيات على المسرح العائم من خلال محمود يس وفريد شوقي وحسين فهمي وفاروق الفيشاوي ومديحة كامل ويسرا برؤية اخراجية جديدة للمخرج الراحل عبد الغفارعودة ، كانت فرقة المسرح الحرالاسبق من المسرح القومي في مسرحة ادب نجيب محفوظ ، فقد قدمت له هذه الفرقة مسرحية "زقاق المدق" في عام 1958 ، اتبعتها بمسرحية "بين القصرين" في عام 1960 ، ثم مسرحية"قصر الشوق" في عام 1961 ، وبعدها بعامين قدمت له مسرحية "خان الخليلي" التي اخرجها المخرج السينمائي الراحل حسين كمال وقام ببطولتها عماد حمدي وعواطف تكلا ، وفي عام 1964 قدم له المسرح الحديث مسرحية "من همس الجنون" ، بينما قدم له نجيب سرور في عام 1968 من خلال فرقة المسرح الحر مسرحية"ميرامار" على مسرح الزمالك التي قام ببطولتها كمال يس وكريمة مختار وعلي الغندور وميمي شكيب ، وفي العام التالي قدم له مسرح الجيب مسرحية "تحت المظلة" ، ولأول مرة تحولت روايته "ميرامار" لعمل اوبرالي في عام 2005 بالتعاون بين الاوبرا ومركز الفنون بمكتبة الاسكندرية للمخرج محمد ابو الخير ، عرض بالقاهرة على مسرح الجمهورية وبمسرح سيد درويش بالاسكندرية.
(ثرثرة 90)
تعامل المخرج الكبير سمير العصفوري مع ادب نجيب محفوظ على المسرح مرتين ، كانت الأولى من خلال رواية "يوم قتل الزعيم" التي يعتبرها العصفوري من اهم ما كتب نجيب محفوظ فقدمها على مسرح الطليعة بعنوان "القاهرة "80 وقام ببطولتها محمد عوض وجمال عبد الناصر وناهد رشدي وماهر سليم واحمد عقل ، ومن انتاج التليفزيون قدم سمير العصفوري رواية "ثرثرة فوق النيل" في بداية التسعينيات التي اعدها علي بركات بعنوان "ثرثرة "90 وقام ببطولتها محمد عوض ومحمود الجندي وهالة فاخر واسامة عباس وجمال اسماعيل ، وكان هناك مشروع آخر لسمير العصفوري مع ادب نجيب آخر لم يتم ، جرى الاعداد له مع فرقة الفنانين المتحدين لمسرحية رواية "زقاق المدق" التي رشحت لبطولتها معالي زايد ، الى جانب رغبة العصفوري في مسرحة رواية "ميرامار" برؤية مختلفة ، كثير من اعمال نجيب محفوظ الروائية والقصصة وجد فيها المسرحيون المادة المسرحية الشعبية الحية التي تزود خشبة المسرح بالثراء ، كان آخرها على سبيل المثال عرض "حارة عم نجيب" التي قدمت على مسرح الطليعة ، الغريب ان محفوظا عندما كتب مسرحياته الست للمسرح مباشرة ، لم يصغها كلها في القالب الواقعي الذي تسيد ريادته في كتابة القصة والرواية ، بل لجأ مثلا الى الرمزية التاريخية والاسطورية في مسرحية "مدينة النحاس" التي استلهمها من "الف ليلة وليلة" ليعالج يتمة القهر والتسلط والظلم الذي تمارسه ملكة المدينة على شعبها ، رحم الله نجيب الادب العربي الذي وصل للعالمية من حارة الجمالية.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش