الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة جمالية في «نشيج العاصفة» للشاعر جميل أبو صبيح

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 03:00 مـساءً

 سما الإبراهيم
قرأت في ملحق الدستور الثقافي الصادر يوم الجمعة 11 / 9 / 2015 نصا شعريا لفت نظري بلغته وأسلوبه السردي المشهدي المستفيد من التقنيات البصرية، وقد أغراني بقراءته قراءة متأنية قادتني إلى محاولة استكشافه من الداخل، فقصيدة «نشيج العاصف» سردية ثائرة، ومشاهد واقعية مشبعة بالعروبة الجريحة، بترانيم الألم ونوتات الأمل، حالة من الفوضى العارمة تكتسح المدينة البيضاء، فتتحول حجارتها إلى سواد حالك من فرط الظلم والجور، تتطاير الحجارة معلنة حالة من الدمار والنهاية المستعجلة، تقطع الأشجار فتتطاير معها الأرواح معلنة الفناء، قصف عشوائي للبيوت للدور الآهلة، مسوخ تعلن الحرب بأمر من الشيطان، حرب قاسية مدمرة، أطرافها متشابكة، الظالم فيها متماهي مع المظلوم والجلاد يلبس ثوب الضحية تسترا، حالة ميلاد قاسية مستعصية إلا على الشياطين المتعطشة.ما لهذه المدن الشاهقة التي كانت الحياة فيها سرمديه، ليلها حياة كما نهارها، نورها منبعث مسترسل، ما لهذه المدائن تعلن الحداد وحالة من الميلاد الوحشية. تتحول المدينة فجأة إلى فتاة تاهت الطريق، سقطت من أبراج النور، تمشي حافية القدمين وكأنها لم تدس مسكا وكافورا، تائهة الخطى في الشوارع، أنينها شكّل سيمفونية مستعصية، والدموع حرى في شوارعها المتهاوية.

مدينة صامتة ضيعت تفاصيل الحياة، مدينة يسكنها الجن وأشباح الضلال، تقطعت أوصال النبض فيها، فهاهي الأرصفة قد ودعت أغانيها، والكمنجة ضيعت ألحانها فباتت ثكلى تنوح نوتاتها، لا حسان على الشبابيك يتركن المناديل سلامات الى الاحبة... لا محبة. حفاة هائمون وكأنه مشهد من مشاهد يوم القيامة، حيث الناس حفاة عراة يفر المرء فيه من أبيه وصاحبته وبنيه، وكأن الحالة قد تشابهت مقاربة في الأهوال، ان الخلائق في ضائقه قلوبها معلقه بمن في السماء، وقلوبهم وأجسادهم من فرط الوجع ثقيلة متهاوية، فهي إلى الأرض أقرب، دعاؤهم وجع وتذلل ها هنا. وان كانت مقاربة صحيحة في شدة الأهوال والأمر الجلل الذي يصيب الخلائق إلا أن الفرق كبير والبون شاسع، فهذه المدينة تعج بجلاديها المتعطشين للدماء والفساد، الحاكم فيها طاغية لا يؤمن حكمه ولا جانبه، أما هناك في محكمة السماء في يوم مليكه مقتدر مليكه الحق، حيث المحكمة الإلهية حيث يقتص المظلوم من جلاديه بأمر ربه هو يوم للمظلومين فيه عيد، وتبقى الأهوال متقاربه.
يأتي الشاعر بمشاهد الأهوال تباعا، يصف الحالة العارمة التي اكتسحت المدينة، تلبدت السماء وحُجب النور فاختلطت الألوان من هول الوجع، فباتت الغيوم أرجوانية ضيعت نورها وتركت الفضاء رحبا لنسور جائعه عطشى لطيور مستنسخة ومهجنة تجتاح السماء.
«ما لهذه المدينة/ غيومها أرجوانية/ وأسراب طيورها فزعة تغيب في الغيوم/ نسور حمراء ترفرف في سمائها».
يأخذنا الشاعر في مشهد آخر هو أقرب للمتنفس منه الى المشهد، أين يترك فرصة للمتابع ليلتقط أنفاسه ليرتاح من تصاعد الأحداث المرعبة، وكأنه يترك نافذة للأمل حتى لا نضيع في يأس وبؤس مرير من فرط الأسى، الشاعر لم يشأ أن يطفئ أنوار المدينة جملة واحده، لم يزل لديه أمل بعيد لكنه لن يتركه، لم يزل متمسكا بخيط رفيع من الحياة , لم تزل هناك عاشقه على شرفه عالقة، تنتظر فارسها، لم تزل هناك شجرة لم تحترق، لم يزل هناك أمل للقاء، ما زالت هناك شرارات للحياة أن تدب من جديد. جميل أن نبقى على أمل رغم الدمار جميل أن يبقى القلب نابض رغم الفزع، جميل أن نبقى أوفياء للحياة رغم الموت المتربص، هنا الشاعر بعث فينا أملا بأن لا سبيل للحياة إلا الحياة والاستمرار في تفاصيلها رغم الوجع.
«وشجرة وحيدة على الرصيف/ شجرة وحيدة/  تعلو إلى شرفة وحيدة/ وعاشق يتسلق الشجرة/ عيناه زهرتا جمر».
 لم يشأ الشاعر أن يترك المدينة حزينة لم تشأ روحه أن تنساها بين تفاصيل الأسى، مدينته جميلة فستانها الياسمين دمشقية الهوى، فستان الياسمين فستان الحياة الابدية سرمدية اللقاء تحت عرش الحب، جمالها الأخاذ الذي لم تدنسه مخالب العهر والضلال، قدها ممشوق شامخة بهامة عالية رغم المحن وكأني بك يادمشق غادة حسناء تتربع عرش الهوى. وحولك المدن غارقة في البكااء لكنك شامخة رغم البكاء، دعوة للفرح للحياة تتخلل المطر المنهمر من مدامع الحياة.
«عاشقة تقف على الشرفة/ بفستان من الياسمين/ ووجهها الفضي المضيء/ وقدها الممشوق/ والشوارع غارقة في بكاء العاصفة».
وتبقى لشاعرنا رؤية دينية نابعة من العقيدة الحقّة المتأصلة فيه، فللجنة طلاّب وللحور طلاّب وللحب طلاّب، وحين تتوحد المطالب يكون العاشق متصوفا في محراب الخلود، لهذه الجنة السرمدية لهذا البقاء الأبدي يتهاطل العشاق حنينا ووفاء ولهفة، ليخطّوا أسماءهم على شجرة الخلد حيث الحور قلوبهن حرّى للقاء حيث الحسان عربا أترابا، عشّاق بقلوب مرهفة ومهام جسام عيونهم على ذاك الطريق الفضي، حيث الحور وحيث شجرة الخلد سباقهم فيه سراعا قضيتهم شاهقة كما قلوبهم شاهقة يحملون في يدٍ القضية وفي يدٍ طوق من الياسمين لحبيباتهم الساكنات الشرفات الشاهقة.
يصور الشاعر جمعا من أهل القضية أصلهم ثابت وقضيتهم عربية، فلا حيف ولا زيف ولا ميل عن الصراط النوراني. نظرة للقضية من زاوية العشاق حيث الحياة وردية حيث نعانق الموت شوقا واقبالا فخرا وقضية.
فهذا العاشق المتيم يهامس محبوبته يلامس النبض في شوارعها ويحمل على عاتقه القضية يخاطب مدينته عروسه الثكلى، بأن القضية أكبر من الجدران فلا بأس سننصب خيمة ان تهاوت جميع الجدران. المهم الا تتهاوى العروبة وألا تتداعى القضية. «فلم يعد البيت مطلبي ولا جدرانه أمني وسكني إن ضاعت حسنائي في محك العنجهية الهمجية».
يعود الشاعر مرة ثانية ليصف حاله الفوضى حالة الدمار حالة الاستنزاف الوحشية، يصف المدينة، يصف محبوبته المغدورة، حيث الدخان يغطي المدينة، البيوت ملتهبة متهاوية والشوارع تضج بالأنين الذي شكل سمفونية موجعة، الأطفال طيور سابحة بين دعاء وبكاء وأمل تدعو الله أن تعود حمامات السلام الى أعشاشها العربية.
«ألسنة اللهب قناديل على أسطح البيوت/ والموسيقى الميته/ موسيقى الشوارع/ تراقص الطيور/ تفرد الطيور ريش أجنحتها/ ترفرف مذعورة/ وتغني..».
يعود الشاعر تارة أخرى ليبعث فينا الأمل، لا يرضى أن يتيه القارئ في موجات الألم فينتشله ويرميه على شواطئ الأمل، فتنتعش روحه وتتفتح شبابيك الحياة، هاهو الفارس من جديد يأبى إلا أن يعيش، أن يرسم خطى من نور على شجرة الخلد، ها هي ذي مدينتنا أميرتنا تعانق فارسنا الجريح الشامخ، هاهي ذي الحياة تدق أجراس النبض وتعلن الميلاد البعيد، نوارس الحق تأبى أن تبيع شواطئها حمامات السلام، تبني أعشاشها معلنة عن ميلاد أفراخها الفضية.
لن يستسلم العاشقان لأهوال العاصفة لخفافيش الظلام لمريدي الموت، لن يطفأ العاشقان قناديل النور لن يطفأ العاشقان سراج القلب وستبقى مدينتنا عاشقة، قوة داخلية تعتلي القصيد، أمل كبير يمازجه، الحب عزم وإصرار يلوح بين الكلم ثقة عالية بالصباح... كم هي رائعة تلك القوة الداخلية ذلك النسيج النوراني الذي يكتنف اللفظ تلك التشكيلات المتشابكة تلك القوة المنبعثة من رحم العبارات المثقلة بالوجع، ذلك الأمل لا نملك إلا أن نحسد القلم كيف يخط حبره الجريح الحياة وكأنها عناقيد دانية.
«قمر المدينة الفضي/ يصلي على قباب المدينة/ ووحوش النار تعوي/ والحريق نوافير دم/ المهر الجامح/ مهر الشرفة الضوئي/ يقفز الى البحر/ الموج عال/ والمهر يعدو على وجه الماء/ والعاشقة في عين العاصفة
تضم براحتيها بقايا كمنجتها/ وتعزف..».
يصف الشاعر حالة الدمار والفوضى التي ألمت بالمدينة، والتي لم تبق ولم تذر، فلم تسلم الطرقات والبيوتات، ولا الشوارع والسكك، ولا الحدائق ولا المطارات، حالة من العبث والفساد والدمار، والانحطاط الإنساني بأدق تفاصيله. حيث النار تسيل من أطراف المدينة فيصف الشاعر المدينة وكأنها وصلت حدّ التخمة من فرط الوجع.
يسدل الستار على مشهد الضحية وندخل تفاصيل مشهد الجلّاد، انتقالية سلسة ومرونة عالية حيث ينتقل الشاعر من وصف المدينة والدمار وحالة الضياع العارم والصروح المتهاوية، من وصف العشاق والأطفال والشوارع الى وصف أصحاب القرار وأبواق البلاء إلى أولئك الذين يتراقصون على الجثث، أولئك الذين يجلسون خلف القرار وكراسي الموت اولئك المنتشين من الدماء.
«لكن.. لماذا تبكي الشوارع/ الشمس طاولة مستديرة/ تجلس الكواكب حولها/ والكراسي من الغيم المحروق/ ما بينهم من فروق/ السماء ارجوانية/ والنجوم أقزام ترقص حول الطاولة/ بخناجر مسمومة/ وطعنات نافذة
ولكن لماذا تبكي الشوارع/ الشهداء يتكفنون بالضوء/ ويتلفعون بالنرجس».
ينتقل الشاعر الأن إلى مشهد أخر مشهد النهاية من جهة ومشهد البداية من جهه ثانيه، نهاية الحياة الفانية وميلاد الحياة الأبدية أو الحياة الحقة، يصف عاشقنا يمتطى صهوة جواده عريسا يعرج أبواب السماء للقاء صاحبة فستان الياسمين، ليس هناك فرق بين عاشق وعاشق فكلهم عشاق الحرية من كل ارض ينسلون، الآن يحق للأرض أن تغني بحرارة ؛ حرارة اللقاء وبغضب على تلك الخفافيش التي ما زالت ترقص على الجثث . لكن فارسنا بطل الحكاية يستقبل النور الناصع، يتوشح خيوط الشمس. وتبعث المدينة من جديد من تحت الركام، وينبعث النور في أرجائها، وتشذو الشوارع بعطر الياسمن . فقط حين لا يستسلم العشاق تضيء مصابيح المدينة، فقط حين يكون العاشق عابدا في محراب الشهادة تتفتح براعم الياسمين الشذية. حين تكون للقضية فرسانها للمدينة رجالاتها، حين تحمل القضية على أكتاف العشق والبقاء يكفُّ الوجع يده عن الياسمين، ويعود العطر من جديد شذيا واللحن متواترا إلى الكمنجة، تعود الحجارة بيضاء والطيور إلى أعشاشها والنوارس الى شواطئها الفضية، حينها فقط يعزف لحن الحياة لحن من نار ونور.
«حين تبكي العاصفة بنشيج عال/ وتسيل النار من الغيوم على البيوت والحدائق العامة/ وتطير حجارة الرصيف مذعورة/ تحلق المصابيح في سماء المدينة/ وتغني العصافير المضيئة بمرح/ حينها.. تستحم الشوارع/ بالماء والثلج/ ويتسلق العاشق/ العاشق المسكوب من شلال من النار/ ومن بياض الياسمين/ يتسلق.. شجرة الحب».
يسترسل الشاعر جميل أبو صبيح في الوجع حتى تعتصر قلوبنا وتنهمر مدامعنا أسفا وألما وأسى على حال تكابده البلاد من شرقها إلى غربها بتهمة غائبة، في زمن باتت العروبة ختما يختبئ عند وصولنا إلى المطارات فتفضحنا أسماؤنا، فنكون بذلك متهمين لأحد تلك الأسماء، تبقى المدن صروحا عالية وقلاعا شاهقة، تبقى الفرسان تنسل من كل حدب وصوب، وتبقى الجميلات على موعد باللقاء، وستبقى القضية قائمة إلى آخر فارس فينا، وسيتسلق الشجرة على جثثنا، وستكون هناك عاشقة، وسيعلن عن ميلاد جديد عطوره دمشقية الهوى وطوقه من ياسمين.
ويمتلك هذا النص لغة شعرية ملحمية بصرية أضافها إلى لغة قصيدة النثر الجديدة، مستفيدة من التقنيات الفنية السينمائية والسرد المشهدي، تجعلني أقول بثقة أن هذا النص يستكشف جغرافيا شعرية أخرى جديدة تتطور من خلالها قصيدة النثر العربية
كاتبة من مدينة بسكرة - الجزائر

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش