الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سنابل القمح .. تعزف اجمل السمفونيات

تم نشره في الأربعاء 24 آذار / مارس 2010. 03:00 مـساءً
سنابل القمح .. تعزف اجمل السمفونيات

 

 
جرش - الدستور - حسني العتوم

يبقى نبات القمح من اجمل واروع النباتات فلهذا النبات طقوس خاصة مذ كان مطلا على وجه الارض ليعطي ذلك البعد الجميل من الوجه الاخضر للتراب وعندما تنعقد السنابل وقبل ان يميل الى اكتساب لونه الذهبي يتم حصاد جزء من المحصول لعمل "الفريكة" وبعد ان يكتمل النضج وتصبح السنابل كلون الشمس عند شروقها تكون البهجة على محيا الفلاحين قد اكتملت.

القمح الاخضر لو سمي باسم اخر لقلت انه الحب نعم الحب بما تحمل الكلمة من معنى فهو اضافة الى انه غذاء الجسد الرئيس هو ايضا غذاء للروح فلا اجد مارا بحقل قمح الا ويشده المنظر فيقف قليلا ليتامل ثم يجلس مستمعا الى سيمفونية عز نظيرها عازفها النسيم واوتارها شعر السنابل ومنشدها كم هائل من طيور "القمبو" ومنتشيها روح الانسان المسكونة بكل حبة قمح.

وهنا استذكر ما كتبه فيلسوف طاعن في السن على قصاصة ورق كانت ملقاة تحت سريره كانت في طريقها الى سلة القمامة بانتظار خادمة المنزل ، تناولها الفيلسوف وكتب عليها عبارة "انا انظر اليك" باعتبار فكرة خطرت في ذهنه ليعود اليها مرة اخرى ، بعدها خرج من منزله لقضاء بعض حاجاته وليترك المجال امام خادمته الشابة لتنظيف المكان وفي تلك الاثناء دخلت الخادمة وبدات بتنظيف الغرفة وترتيب السرير فوقع بصرها على تلك القصاصة وقرات ما فيها فشعرت بسعادة غامرة معتقدة ان الفيلسوف يحب تلك الخادمة.

مضت ايام وكانت الخادمة تتعمد تنظيف الغرفة والفيلسوف فيها وفي كل حركة لها كانت تعلق نظرها بوجه الفيلسوف وتتعمد الابتسامة في وجهه واستمر الحال حتى نهاية الشهر وعندما قدم لها الفيلسوف راتبها اعتذرت له وقالت بانها تخدمه من غير اجرة ، فاستغرب الفيلسوف من حالها وتغير طريقة معاملتها له فظن انها تريد زيادة الاجرة فدفع لها ضعف اجرتها فازدادت دهشته عندما رفضت المبلغ المضاعف فسالها عما تريد فقالت لقد اخذ ت اجرتي اضعاف ما دفعت قال لها وكيف؟ ، قالت الست القائل "انا انظر اليك".

تذكر الفيلسوف قصاصة الورق وابتسم وقال لها نعم لقد اخذت اضعاف اجرتك ولكن لا تعودي الى منزلي مرة اخرى ، سالته ولكن ما الذنب الذي اقترفته بحقك ؟ قال لا شئ ولكن اريد ان انظر اليك وانت غائبة عني.

ذكرتني حكمة الفيلسوف تلك بذلك المشهد المثير وانا اقود سيارتي عبر الشارع المؤدي الى منطقة وادي الدير الغربي في مدينة جرش باتجاه موقع البركتين الاثريتين ومثيلاته من المشاهد في السهول الخصبة ، هذا المشهد الذي يذكرنا بماض غير بعيد بعلاقتنا بالارض ، فالمشهد عبارة عن لوحة شديدة الخضرة متراصة متناغمة مع طبيعة المكان اذا دخلت فيها تجد السنابل تعانقك طولا ويبعث حفيف "سفيرها"في نفسك نشوة كلما هبت نسمة من الهواء عليها حكت سرا خالدا من العلاقة الازلية بين ذهبها الاصفر عندما ينضج مع مكونات جسدك.

تلك اللوحة غابت عنا الا قليلا فهي كحال لوحة راحت تركن على جدران منازلنا ننظر اليها ولا نقصدها واذا سال اطفالنا او احفادنا عنها اجبناهم"انظروا اليها وانتم غائبون عنها"واستمتعوا بالوانها وخضرتها وملاصقتها لحناء الارض ولكن لا تلمسوها.

اتلمس في هذه الارض الاقنية القديمة الضاربة في عمق التاريخ والمارة من فوهة البركتين بمياهها العذب المتدفق من صدرها مرورا بتلك الارض الحنائية والرمادية لتحكي قصتها مع الانسان الذي عايشها فكانت مصدر غذاء لكل القاطنين حولها ، واليوم بدات الحجارة تقضمها من هنا وهناك وترتفع فيها العمارات فلم يعد منها صالح للزراعة الا القليل او ما يساوي حجم اللوحة على الجدار.

Date : 24-03-2010

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل