الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قضايا محلية * عقوبة الاعدام.. هل من بديل للضوابط الشرعية والقانونية والانسانية والحقوقية؟

تم نشره في الجمعة 6 تموز / يوليو 2007. 02:00 مـساءً
قضايا محلية * عقوبة الاعدام.. هل من بديل للضوابط الشرعية والقانونية والانسانية والحقوقية؟

 

 
* الاعدام قصاص شرعي لا يعدله ولا يغني عنه قصاص آخر لحكمة تتجاوز خصوصية القاتل والمقتول

* إعادة تأهيل واصلاح اصحاب السوابق وقاية انسانية لاثنين من البشر قد يكون احدهما قاتلا والآخر مقتولا

* الابقاء على عقوبة الاعدام للقاتل أقرب للرحمة والعدالة والانسانية لملايين الابرياء


احمد ابو سعدة
لم تعجز الذاكرة الانسانية عن اجتراح مقاربات لكل ما يمس تفاصيل الحياة اليومية وملابساتها وتشابكاتها لتكون مظلة ثقافية ومرجعية لها تحتكم اليها عند الحاجة واذا دعت الضرورة.
حتى القتل باعتباره واحدا من السلوكات الشاذة التي تحمل في طياتها الحق في الحياة دون خوف من سلبها بغتة وبغير وجه حق... انتج البشر له ما يكفي من الفلسفات من قبيل "لا يجرؤ على قتل ارنب" كمثال ونموذج لجبنين ووداعتين في آن واحد في سياق الدفاع عن مظلوم لان الوداعة والجبن هما من صفات القاتل والمقتول حسب المثل وحصرا لحالة دون غيرها ، فانى يجتمعان في كبيرة القتل.
في هذه المسألة اعترف انني لا استطيع حصر عدد الارانب التي اقدمت على ذبحها.. فقد كانت جارتنا تأتيني بالارنب في يد والسكين في الاخرى كلما ارادت ان تولم لاسرتها ، اما دوري انا فكان ينحصر في عملية الذبح فقط باعتباري (رجلا) ولما اتجاوز بعد السادسة عشرة من عمري.
في المرة الاولى لا زلت اذكر ان السكين كادت تفلت من يدي من (هول) الموقف لولا اني تمالكت نفسي ففعلتها تحت الحاح وتشجيع المحيطين بي ، اما في الثانية والثالثة و..فكان علي ان استجمع شتات شجاعتي لابدو (كرجل) لا تفت من صلابته (استغاثات) الارنب ولا رؤية دمائه ، لكنني في كل مرة كنت اقف متأملا هذا المخلوق الذي ازهقت روحه في لحظة واحدة لولا ان الله احل صيد البر والبحر ، لكنني كنت اتأمل ايضا كيف يمكن لانسان ان يضع بيديه حدا لحياة اخيه الانسان ،
والعلاقة بين القتل والانسان قديمة قدم الانسان نفسه منذ ان اقدم قابيل على قتل اخيه لا لذنب اقترفه القتيل الا لان الاول زينت له نفسه ذلك فحسب ، فذهب نادما على (فعلته) من بعد لا يفيد الندم .. والسؤال الذي لم يغادر رأس القاتل منذ الجريمة الانسانية الاولى دون ان يجد ما يدعم شرعيته يدور حول: هل نملك والحالة هذه ان نصفح ونعفو عن قاتل الانسان البريء براءة الارنب الذبيح؟.
سؤال يحمل في طياته ابعادا كل واحد منها يضج من بشاعة وشناعة ما اقدم عليه الانسان (الوحش) بحق اخيه الانسان.
فالمسألة اكبر من كونها مجرد تشريع يمكن تعديله او استبداله ، ولو كانت المسألة بهذه البساطة لقالت لنا الكتب المقدسة ذلك ، لكنها على العكس من كل هذا شددت في هذه المسألة اشد ما يكون التشديد كونها تعلم من الانسان وعن الانسان اكثر مما يعلم عن نفسه.
على ان قتل القاتل باعدامه وفاقا لما نصت عليه الشرائع الانسانية الاولى منذ حمورابي وما نزلت به الشرائع على انبياء الديانات السماوية ليس ردعا للقاتل لانه لا ردع بعد الموت باعتباره ميتا لا محالة ، تماما مثلما انه ليس حقا شخصيا للقتيل فأنى له ان يستوفي حقه ، فكلاهما القاتل والمقتول يقتص احدهما من الآخر في عالم تتصف احكامه بالعدالة المطلقة وبالثبات المطلق ، ولكنه ، اي اعدام القاتل ، يتم باعتباره قصاصا لا يعدله ولا يغني عنه قصاص آخر لحكمة تتجاوز خصوصية القاتل والمقتول.
والحكمة من القصاص في القتل قدر تعلقها بحق شخصي لارملة المغدور او ابنائه او والديه او جميعهم الذين فقدوا فيه ما لا يمكن تعويضه ماديا ومنعويا ونفسيا ، فانها تتعلق ايضا بحق للمجتمع المحيط وتتعداه الى البشرية كافة ، وعكس ذلك ، اي الصفح عن القاتل او استبدال قصاص الاعدام بقصاص آخر مخفف ، فانه يعني بكل بساطة ان على البشرية جمعاء ان تستعد للتعايش من جديد مع ثقافتين سلبيتين وسالبتين للحياة والامن تنفست الانسانية الصعداء في اللحظة التي اصبحتا فيهما جزءا من التاريخ المأساوي للانسان وهما: ثقافة الكاوبوي التي لا يأمن فيها انسان على حياته ، وثقافة الثأر التي لم تزل مجتمعات عديدة تعاني من آثار وبقايا ذيولها.
ففي التشريع السماوي جاءت المسألة على هذا النحو من الحكمة والضبط الشمولي "من اجل ذلك" هكذا ورد في القرآن الكريم ، اي ، للحيثيات والضوابط والحكمة المرتجاة محددا حالات القصاص بالقتل لا بغيره بالنسبة للبشر عامة بغض النظر عن الاحكام الخاصة بكل دين او ملة بحالتين هما
1) "... انه من قتل نفسا من غير نفس" و 2) "او فساد في الارض" ، فاما الاولى فهي الاقرار والمعادل السماوي لاول ثقافة تشريعية موغلة في تاريخ العدالة الانسانية ، اي ، (العين بالعين والسن بالسن..) ، واما الثانية فتتعلق بحفظ الامن الاجتماعي ليكون المجتمع آمنا من (الإفساد) الشامل والفوضى العارمة ، وما نراه ونسمع عنه في ايامنا هذه في بقاع مختلفة من الارض مما احال حياة بعض المجتمعات الى جحيم لا يطاق هو مثال عما عناه القرآن من تشديد في القصاص لحفظ الامن الشخصي والجمعي العام .
هاتان حالتان اجازت السماء في كل منهما قتل (القاتل) جزاء عادلا ، اما المبرر لهذا الحكم فانه يتماهى في صلب الرمزية التي وردت في تمام الآية الكريمة "فكأنما قتل الناس جميعا" لتربط بين: 1) كم نفسا من نسل هابيل قتل قابيل بقتله اخيه و 2) ظهور الاستعداد لدى القاتل للقتل ثانية وثالثة و.. بعد جريمته الاولى ما يعني تشكيله خطرا على حياة عدد غير محدد من بني جنسه من البشر ، و3) كي لا يصبح الاقدام على القتل مسألة هينة في ظل عدم وجود ضوابط رادعة وحاسمة وقوية وحازمة ، وهي إن لم تستأصل جريمة القتل تماما فهي تحاصره في ادنى معدلاته.
على ان المقاربة بين (الاعدام) للقاتل كرادع لم يردع حالات كثيرة عن الاقدام على القتل وبين جدوى الابقاء عليه او الغائه هي مقاربة خاطئة لانها لم تأخذ في الاعتبار الحقوق الشخصية التي قد تولد آلافا مؤلفة من حالات القتل الثأرية في حال (الصفح) المقونن عن القاتل.
في دوامة البحث عن بديل منطقي وشرعي وقانوني وانساني وايضا حقوقي لعقوبة اعدام القاتل يبدو ان الجهات التي اخذتها الرأفة بالمجرمين قفزت عن اولوية منطقية في هذه المسألة تتمثل في ان تعكف على كيفية اعادة تأهيل واصلاح اصحاب السوابق وخريجي السجون ومراكز الاصلاح الذين (قد) يعودون للسجن مرة ثانية ولكن بعد ارتكابهم جريمة قتل بحق بريء وتلافي الجنوح الى ارتكاب كبيرة القتل ، فهذا اجراء وقائي وانساني في الوقت ذاته بحق اثنين من البشر قد يكون احدهما قاتلا والآخر مقتولا.. ان الابقاء على عقوبة الاعدام للقاتل وتركها لقناعة القاضي كونه ادرى الناس بملابساتها وحيثياتها ومن ثم تقدير العقوبة الرادعة والمناسبة هو اقرب للرحمة لا لشخص استنفد اسباب انسانيته ولكن لملايين الابرياء الذين قد يكونون عرضة لاستلاب حقهم في الحياة.. فالقاضي دون غيره من الناس يملك ما يكفي من الشفافية والعدالة والانسانية والحكمة وبعد النظر للفصل في من يستحق الاعدام من عدمه ، وما عدا ذلك فلا يعدو كونه عبثا في مسائل انسانية مصيرية.
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل