الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قضايا محلية * بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التدخين.. هل من بديل؟

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2007. 02:00 مـساءً
قضايا محلية * بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التدخين.. هل من بديل؟

 

 
* اكثر من 90% من مدمني المخدرات والكحول هم في الأصل مدمنو تدخين * لماذا يرفض المتعب حد اللهاث تدخين سيجارة؟ * بالركض ثم الركض وباللعب ثم اللعب حد الانهاك سوف نكتشف الفرق والعلاج

احمد ابو سعدة
احتفل الاردن امس باليوم العالمي لمكافحة التدخين ولا ادري على اي محمل سيفهم (الاحتفال) من معشر المدخنين الذين يدفعون من جيوبهم (350) مليون دينار سنويا لتدمير صحتهم ويكلفون الدولة مئات اخرى من الملايين لترميم صحتهم من هذا البلاء..
في هذه المسألة الصحية (الاشكالية) كتبت في 13 ـ 4 ـ 2007 في سياق صحي آخر تحت عنوان "آن للصحة ان تستنفر طاقاتها لتعلن التدخين وباء" ، وقلت من ضمن ما قلت: ها انا ذا امتلك الرغبة للاقلاع عن السيجارة ولكني لا استطيع ، فاينما اكون اجد من ينفث دخانه في وجهي ويرغمني على استنشاق ما هو اكثر من ذلك ، لقد قال لي الطبيب ذات انقطاع (لقد احسنت صنعا رحمة بصحتك وبأسرتك) ، لكنني عدت ثانية لامارس لعبة الهروب والاختباء بسيجارتي ليس خشية من تشريع يحرض الابناء على التظلم من هذا امام القانون ، فهذا امر لم يخطر ببال وزارة الصحة بعد ، ولم يلتفت اليه نوابنا الافاضل ليشرعوه ، ولكن اهرب بها الى الشرفة مرة والى فضاء الدنيا مرة اخرى رحمة باطفالي ، وفي كل مرة اسائل نفسي الى متى تستمر هذه المهزلة متعددة الابعاد والمخاطر ، فنحن ندمر صحتنا ونقتل اولادنا ونهدر اموالنا وننحدر بكفاءتنا وحيويتنا وادائنا الوطني الى مستويات (مريضة) ، اذاً حبذا لو تخرج الجهات المعنية عن صمتها وتعلن عن الارقام الكارثية لمرضى يراجعون المراكز الصحية والمستشفيات على خلفية امراض تتعلق بالتدخين ، اخشى ان يكون ذلك محرجا، لقد اعلنها وزير الصحة بالامس ، او لعله اعلن عن بعضها فقط ، لكنه للاسف لم يعلن عن خطة وطنية لمكافحة التدخين بهذه المناسبة كما فعلت (انا) ذات انقطاع.. هل لي ان اعرض تجربتي؟ سوف افعل.. لقد وثقتها في "الادمان عندما يهمس الالحاح" ، لقد كتبت: لا ازال اذكر ذلك الدوار (الممتع،) الذي فعلته بي السيجارة الاولى في حياتي عندما (قدرت) ان لا ضرر في تقليد زميلي بسيجارة واحدة.
ان التقليد في سن مبكرة وفي غياب الوعي والارادة اضافة الى عوامل الجذب القوية الناتجة عن بريق وسحر التجربة الاولى ورطني كما ورط الملايين غيري في مشكلة ادمان التدخين.
لقد كان ذلك جزءا من المشكلة فقط ، لكن لانني لم اكن حتى تلك اللخظة اعرف ماهية الانقياد للتقليد ، فقد وجدت نفسي مدفوعا للبحث عن السيجارة مرة ثانية وثالثة.. وهكذا ، حتى اصبح التدخين الحاحا له اسبابه الصحية والبدنية المرضية لا مجرد عادة او تقليد. لقد كانت التجربة الخاطئة الاولى ، او السيجارة الاولى من الخبث بالقدر الذي جعلني اكررها حتى اصبحت بحاجة ماسة لها ، او لعلها اوهمتني انها قادرة على تحويل المعاناة و(عسر) التفكير الى غبطة وانتعاش والى حالة من العبقرية والابداع والتجلي.. لقد ادركت في ما بعد انها اشباع مزيف لحاجات مفتقدة ، وادركت ايضا ماذا يعني انها خطيرة وخبيثة في آن: لقد قرأت وسمعت ولمحت ان اكثر من 90% من مدمني المخدرات والكحول هم في الاصل مدمنو تدخين هي حقيقة غير قابلة للجدل كثيرا ، بل ان اكثر الاشياء التي تترك احساسا قويا بالحاجة اليها اجاب عدد كبير من المدمنين انها السجائر ، وبينما جرب 23% من مدمني التدخين نوعا واحدا على الاقل من المخدرات فان 62 - 95% من مدمني الكحول يدخنون بافراط وان نسبة المدخنين بين مدمني الهيروين زادت عن 95%.
لم اكن (انا) قد تجاوزت السادسة عشرة من عمري عندما وجدوات نفسي وجها لوجه امام الادمان.. فماهر الذي كانت تجمعني به مقاعد الدراسة كان يتعاطى (الحشيش) ولم اكن اعرف حتى تلك اللحظة عن الحشيش اكثر من انه ينحدر بمتعاطيه الى حد الوصم الاجتماعي ، لكنني بدأت اعرف فيما بعد اكثر فاكثر عن المخدرات وعن الادمان ايضا ، واكتشفت العلاقة التي تربط بين (ماهر) الحشاش وبين سهولة الايقاع بمدمن التدخين الذي لم يسبق له ان تعاطى الكحول او المخدرات كونها تعود في اهم اسبابها الى انه اصبح مهيأ نفسيا وعضويا لمراحل واشكال تالية من الادمان ، فالسيجارة الاولى يبدو انها تكسر الحاجز النفسي وتبدد الرهبة ، لكنها بالتأكيد تدعم الرغبة في تجربة الكأس الاولى او اجرعة الاولى بدافع من الحاجة الماسة للسوائل لتعديل الحالة السمية واختلال حاسة الذوق التي تخلفها السيجارة في الفم خاصة وفي الجسم عامة.. والفرق الوحيد فيما كان يلقيه مدرسنا على اسماعنا من قصة ذلك الاعرابي المخمور الذي تسبب بحرب ضروس نتيجة تصرفه الطائش عندما تحدى احدهم ان يقطع رجله الممدودة اذا اراد ان يمر ، وايضا ذلك الذي اصبح مضرب الامثال عندما قال( اليوم خمر وغدا الامر) وكأني به وقد احتلت جلسته الموبوءة مكانة القداسة فاذا به يؤجل عظائم الامور ويقدم عليها كؤوس الخمور ، اقول ، الفرق الوحيد هو ان ادماننا اليوم لم يعد بحاجة الى جلسة خاصة وطقوس معينة لانه اصبح (سيجارة) نتناولها انى شئنا واينما نكون.
يبدو انني لاسباب دينية واخرى تربوية نجوت من الوقوع في شر المسكرات والمخدرات لكنني وقعت في شرك التدخين..
وعندما حددت اللحظة الفاصلة بين التدخين والاقلاع عنه وقررت ممارسة القهر الذاتي كونه الوسيلة الاولى في العلاج ، كان علي ان ابحث ايضا عن وسيلة اخرى تدعم هذا التوجه ، لقد تكونت لدي قناعة بانها لا بد ان تكون اكثر من كونها مجرد (مكسرات) او (علك) او غير ذلك من الوسائط التي تساعد في (لجم) الفم عن السيجارة ، كان ينبعي ان لا تقل عن اتصافها بالشمولية والديمومة والفاعلية. طبيعة عملي في الصحافة الرياضية آنذاك قادتني الى طبيب الجهاز التنفسي والرئتين ليحدثنا عن العلاقة بين الرياضة والجهاز التنفسي ، استطردت انا بالاسئلة واسهب الدكتور (ميلاد) بالحديث ، حتى الايدز لم يكن استثناء من حديثنا الرياضي - الطبي ، وعندما غادرته كنت اجد صعوبة قي كبح جماح رغبتي في الجري ، يبدو انني وجدت ضالتي في قول الطبيب: اننا بحاجة الى قليل من العلاج الدوائي لمساعدة المدمن - اي مدمن - في التخلص من ادمانه ، لكننا بحاجة الى الكثير من الرياضة لضمان عدم عودته ثانية الى ادمانه.
لكنني اعرف لاعب كرة قدم يدمن التدخين ، عقبت على حديثه ، فأجاب: هو بالتأكيد في آخر الملعب دائما ، ولن يكمل حياته الرياضية ولن يحقق حلمه في النجومية.
الرياضة اذاً ، اذا ادمنا عليها وجدنا فيها البديل الشامل والفعال لادمان التدخين: المشي بالخطوة السريعة كان المرحلة الاولى في برنامجي العلاجي على امل ان اصل بجسمي الى اهلية الجري. لم يمض وقت كثير حتى اصبحت اكثر حيوية واكثر اقبالا ، هناك تحسن عام في لياقتي وارتفاع ملحوظ في مؤشر نشاطي ، وبعد فترة لم اعد قادرا على كبت رغبتي في اطلاق ساقي للريح ومعانقة الهواء الطلق.
حسناً ، لقد بدأت اعشق شيئا اسمه رياضة ، واستطاعت هي ان تترك في نفسي سحرا لم اعهده من قبل ، حتى السيحارة الاولى لم تجذبني بمثل ما فعلت الرياضة ، فالجري مع الاشراقات الاولى يترك في النفس عشقا من نوع خاص ومختلف ، ويبعث في الذاكرة لوحات غاية في الجمال والرومانسية والحيوية نستشعر تأثيرها مع كل شهيق ويلح علينا بتكرارها كل زفير..
لكن هناك سؤالا لا يزال قائما ، قلت في لقاء آخر: لماذا يرفض المتعب حد اللهاث تدخين سيجارة؟.. يبدو ان الاجابة ، قال د. ميلاد ، تحمل قي طياتها رفضا للانتحار ، فأول وثاني اكسيد الكربون والنيكوتين والقطران ليست هي كل السموم التي ستنتشر في كل انحاء الجسم وخلاياه لكن بسرعة الشهيق والزفير ، وبسرعة جريان الدم الذي رفعنا نحن من وتيرته ، فصار يجري في الشرايين ويعود في الاوردة في زمن اقصر ، ان ذلك يعني ان الدورة الدموية سوف تسجل بعد اللعب مباشرة ازديادا في عدد دوراتها وان انسجة الجسم عليها ان تستقبل ضخا متزايدا من الدم الملوث وبكثافة بكل سموم السيجارة، لكنه استدرك وقال: ان ذلك لن يحدث لان الجسم لن يستسيغ ولن يتقبل والحالة هذه اي شيء غير الاكسجين ، والجسم هنا امام خيار واحد لا سواه: الحاجة الاقوى هي للاكسجين فقط وهي تلغي وتشطب الحاجة الاضعف ، تشطب ايضا كل الحاجات السلبية وعلى رأسها الرغبة في تدخين سيجارة.
لن يتسع المجال لاكثر من هذا ، فنحن نتحدث عن وباء بكل ما يتصف من تعقيد بدني وسيكولوجي ، لكنها محاولة لاستبدال هذا الشر الذي اسميناه سيجارة بالركض ثم الركض وباللعب ثم اللعب حتى نصل باجسامنا الى حد الانهاك ، ثم لنكتشف الفرق فيما بعد والعلاج.
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل