الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وردة على قبـر أمـي

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2007. 02:00 مـساءً
وردة على قبـر أمـي

 

 
علـي حامـد الشطـرات
قال تعالى شأنه: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ، فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما ، وقل لهما قولا كريما ، واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة ، وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا". صدق الخالق البارىء. اليوم عيد أمي.. أمي التي نشأت على التقوى ونظافة اللسان وكثرة الاحسان ، وأنشأتنا على طاعة الله والخُلق القويم.. أمي التي علمتنا الحياة واحترام الناس ، وكنا تلاميذ في مدرستها ، خلقا وتعليما وتربية.. أمي التي عاشت بهدوء زاهدة بالحياة ، ورحلت بهدوء شوقا للآخرة التي عملت لها.
كم أنت جميلة يا من نهلنا من نهر عطائك الذي لا ينضب.. الحب والكرامة والعمل والاجتهاد ، وتاج ذلك حب الوطن ، الذي كنت تذرفين دموعاً على شهدائه ، ويستبدّ بك الشوق للعودة إليه ، وتتسمّر عيناك باتجاهه ، فتنهمر دموعك مدرارة.. حسرة وحبا وشوقا ، ويأخذك عقلك إلى مسقط الرأس والنشأة ، عندما كنا نزور وإياك ، بطلب متكرر منك ، ضريح أمين الأمة الصحابي الجليل أبي عبيدة ، عامر بن الجرّاح.
أمي الجميلة.. رغم أنك لم تتعلمي على مقاعد الدرس ، إلا أنك كنت مدرسة في حياتك وفي مماتك.. أديت رسالتك تجاه الخالق ، وتجاه بيتك ، وتحملت شقاوتنا ومزاحنا ، وحملت همومنا كبارا وصغارا ، وشاركتنا فرحنا وحزننا ، وخففت عنا بالكلمات الرقيقة البسيطة ، بساطة حياتك: فاختارك ربّ العزّة إلى جواره أفضل اختيار.. يوم الخميس وليلة السابع والعشرين من شهر رمضان الفضيل والعشر الأواخر منه ، وجاد عليك بمكرماته أنْ جمع من الخلق كثيراً ، للصلاة على جثمانك الطاهر.
أمي المؤمنة.. لا أنسى نعشك الراكض إلى الثرى ، والذي أدهشني لحظة حملته واخوتي بأيدينا ، فأيقنت بعد صحوي من هول الصدمة ، وبعد أن ذهب ظمئي وابتلت عروقي بعد صيام ، أنه لشدة إيمانك كنت تقولين "خذوني إلى قبري خذوني".
أماه.. يا أماه.. وا حرّ قلباه، ففي قلبي لوعة.. لوعة الفراق المفاجىء ، أشتاق إليك شوق الأرض العطشة لغيث السماء ، وأدعو لك بالرحمة ، وأن يجعل الله قبرك نوراً ورياحين ، فاهنئي أماه - إن شاء الله - بمقعد صدق عند عزيز مقتدر ، وسعت رحمته كلّ شيء ، وهيأ جنات خلد لعباده الأتقياء الأنقياء الصالحين.
يا أجمل الأمهات.. يا من كنت تخففين عني همّي ليل نهار. في عيدك - وأنت التي كنت تعرفين أن كل أيامك في الدنيا أعياد - أهديك وردة حب وطاعة. يا من كانت تكتحل عيناي برؤيتك كل صباح ، أهديك كل الدعوات بالرحمة: فأنت الزيتونة التي كان ورقها أخضر طوال ثلاثة وستين عاماً ، يظللني ويدفع عني عاديات الدهر ، بادئاً يومي برضاك الفطري البسيط ، الذي لن أنساه "الله ينوّر عينيك ويرزقك" ، حتى في عزّ مرضك الذي امتحنك به المحيي والمميت.. حباً لك وكرامة.
يا أطيب الأمهات.. "أحتفل" اليوم بعيدك - على طريقتي - كما لو كنت أمام عينيّ ماثلة بهدوئك وطيبتك: فكل يوم لك عيد يا أماه ، ولك مني وردة حب مع ندى كل صباح ، ومع شقشقة عصافير الوطن قبيل كل شروق للشمس ، ومع سحابات الغيث التي يسيّرها الغفور الرحيم سقيا لخلقه أجمعين.
أمي.. إليك أزجي تحياتي ، وليديك الطاهرتين قبُلاتي ، وأبتهل إلى ربي أن يكرمك في مثواك ، ويجعل الجنة مسكناً لك مع الصالحات والصالحين ، وحسُن أولئك رفيقا.
اللهم أنزل على قبر أمي الضياء والنور والفسحة والسرور ، وجازًها بالإحسان إحسانا. اللهم خذها من ضيق اللحود إلى جنات الخلود وارحمها ، واغفر لها يا ربّ العالمين.
"يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضيّة فادخلي في عبادي وادخلي جنتي". صدق الله العظيم.
رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل - المدير العام: د. حسين أحمد الطراونة