الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أطباء بلا حدود إطلاقا

يوسف غيشان

الأربعاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
عدد المقالات: 1476

قبل ثلاثة أرباع القرن، او اكثر قليلا، قدم جدي لأبي،حياته فداء على مذبح البشرية، إذ كان يعاني من مغص شديد في المعدة وإمساك بالغ القساوة. عمي الذي كان أحد العسكر التابعين لكلوب باشا آنذاك، وكان يشاهد الإنجليز الذين يعالجون هكذا حالات عن طريق حقنة شرجية من الألمنيوم مع بربيش وجهاز ضخ يدوي من المطاط، حيث تملأ العلبة المعدنية بالماء والملح الإنجليزي الخاص بالموضوع، ويتم ضخها داخل الجسم.
وقد قرر عمي تطبيق ما تعلمه من طب دون الحاجة إلى تلاوة قسم ابقراط،، فأجرى اللازم، مع فارق  بسيط إذ انه ملأ الحقنة،إضافة إلى الملح الإنجليزي، بالماء المغلي (ربما اعتقد انه الأفضل لتمشية المعدة)، وما ان تسلل السائل الحار إلى مصارين جدي المبجل حتى قفز من الفرشة وهو شبه عار وخرج إلى الشارع يصرخ حتى سقط أرضا.. نقلوه إلى البيت مغمى عليه، ومات بعد أيام. مات دون ان يصرخ بعبارة ارخميدس: (يوريكا ...يوريكا) لما خرج عاريا من الماء عند اكتشافه لقانون السائل المزاح. جدي قدم إسهاما عظيما للبشرية دون تبجح واكتشف قانون: (الماء الساخن يتلف المصارين) .... ومات بلا غثبرة ولا من يغثبرون.
وكان والدي قبل حادثة جدي (عودة)، قدم حاسة السمع على مذبح التضحيات، حيث التهبت أذناه وفقد السمع في قصة تراجيوكوميدية، لكن العالم اكتشف من هذه التجربة الفريدة ان الزيت في درجة الغليان يؤذي الأذن، وتوقف عن استخدامه في معالجة التهابات القنوات السمعية..
والدي الأطرش مات ولم يسمع بهزيمة حزيران بعد-  فبعد شيخوخة منقوعة بالفقر قام بقلع أسنانه بالكماشة وأحيانا عن طريق ربط الضرس بخيط المصيص وربط طرفه الأخر بباب الدكان العملاق، وكانت مهمتي دفش الباب حتى يخرج السن بكل رباطة جأش . وهكذا اكتشف والدي ان الكماشة وخيط المصيص والأبواب العملاقة يمكن تحويلها إلى أدوات جراحة ناجحة في الدول النامية.
وقد حاول والدي وجدي لأمي تقديم أخي أضحية على مذبح التقدم البشري حين حاولا إدخال حامض النيتريك  (مية النار ما غيرها)  الذي يستخدم في تبييض طناجر النحاس، حاولا إدخاله في مجال معالجة الحزازات وداء الثعلبة والصدفية وما شابهها. إذ صب الاثنان القليل من مية النار على ثعلبة صغيرة ظهرت في رأس أخي على غفلة من الوالدة. فقد الوعي لعدة ساعات، وتمت الاستعانة بالطب التقليدي (أطباء قسم ابقراط)  إلى ان نجا بصعوبة مع حفرة عميقة في الرأس لم تستعد شعرها كاملا حتى الآن.
انا من عائلة قدمت الكثير من الأضحيات على مذبح البشرية.
وتلولحي يا دالية .

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل