الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مــذبحــة لشبـونـة عـام 1506م

تم نشره في الاثنين 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 11:44 مـساءً
أ . د . محمد عبده حتاملة

قررت الكنيسة الكاثوليكية عام 1333م (734هـ) إنشاء محكمة يقدم إليها من يُتهم في عقيدته الكاثوليكية، وكل من تختلف عقيدته عن عقيدة الكاثوليكيين أو يدين بدين غير الذي يدينون به مثل: البروتستانت، والمفكرين الأحرار، واليهود والمسلمين (الذين كانوا في الأندلس: اسبانيا والبرتغال).(1)
وقد كانت مدينة لشبونة مقر محكمة أو ديوان التفتيش في البرتغال الذي أنشيء هناك عام  1547م في أعقاب مذبحة لشبونة التي وقعت يوم الأحد 10 نيسان 1506م (16 ذو القعدة 911هـ)، وهو يوم عيد الراعي الصالح * في عهد الملك مانويل الأول (1495- 1521م)، وقد تم ارتكاب هذه المذبحة ضد اليهود، ويصفها المؤرخ دون جومس واسيلفا في كتابه (أسرار ديوان التفتيش) فيقول:
“ لما أصبح الصباح على مدينة لشبونة العاصمة أخذت أجراس كل الكنائس تصلصل صليلا متواصلا بطيئا يدخل على النفس الحزن، ويبعث الانقباض في الصدر، رغم جمال ذلك اليوم وشمسه الساطعة، وصفاء سمائه وزرقتها الجميلة، وكان يوما من أيام الربيع البديع.
وإذا ما نظر إنسان إلى العاصمة في التلال المحيطة بها، رأى بحرا متحركا من الرؤوس البشرية، وهم جموع غفيرة من الأهلين، جاءوا ليحضروا ذلك الاحتفال الديني، وقد اعتم كل بعمامة تباين عمامة الآخر، وتعصبوا بعصابات مختلفة متنوعة، فمن اعتنق المسيحية وهو مرغم كانت عصابته حمراء، وهؤلاء أجبرهم (ديوان التفتيش) عل الكثلكة، وكانوا من اليهود والمسلمين من بقايا الفتح الإسلامي، وأما من كان من أصل مسيحي فكانت عصابته أو قبعته من غير ألوان.
وأجبر (ديوان التفتيش) بعضا من المسلمين واليهود على حضور تلك الاحتفالات، وكانوا في حالة يرثى لها، وتتفتت لها الأكباد أسى وحسرة، لما بهم من الذل والهوان.
أما جماعة المفكرين الأحرار(الهراطقة) * الذين كانوا يعدون في نظر الكنيسة زنادقة فجرة، لأنهم كانوا لا يؤمنون بالكنيسة ولا يوافقونها على إتيان تلك الأعمال الوحشية...، أولئك الأحرار قد هربوا واختبئوا خشية جواسيس (التفتيش) أن يقبض عليهم بوشايتهم، ويكون موتهم وهلاكهم محققا محتما في مثل ذلك الاحتفال.
وكان ذلك البحر الزاخر من الناس يموج ويعلو كالأمواج، ويرتطم عند باب الكنيسة الكبير، وهناك أقيم حوض كبير من الرخام فيه الماء المقدس، فكان الناس يغمسون فيه أيديهم ويرسمون إشارة الصليب على جباههم، ثم يتراجع فوج ليحل محله فوج آخر للغرض نفسه.
وكان يشاهد وسط ساحة الكنيسة الكبيرة أعيان الشعب، ورجال الدين، وقد اصطف الحرس عن يمين وشمال، وكانوا من طبقات الأشراف بشعورهم المذهبة، وملابسهم الزرقاء المخملية.
وأقيم مذبح كبير وسط تلك الساحة العظيمة، وقد غُطي بالمخمل المذهب، أما الآنية التي كانت عليه فكانت كلها من الذهب والفضة والبلور.. كل ذلك لكي تبهر عيون الناس إذا ما وقعت عليها أشعة الشمس.
وأقيم وراء ذلك المذبح وسط الساحة صليب كبير جدا عليه صورة المسيح مصلوبا، وكأنما هو يستعد لقبول توبة الخاطئين والكفرة، ومن لم يكن مسيحيا ولا يؤمن بأعمال الكنيسة...
وإلى جوار ذلك الصليب أقيمت منصة عليها آثار القديسين من عظام وصور قديمة ، وقد زينت بالأحجار الكريمة، ولها أطر من الذهب والفضة المصقولة الخالصة، لها لمعان شديد في ضوء الشمس، فتضيف إلى المنظر هيبة ووقارا وأبهة.
واجتمعت جماعات من الشعب داخل الكنيسة وخارجها، وأخذ بعضهم يحدث بعضا عما كان (ديوان التفتيش) قد أزمع إجراءه في ذلك اليوم ... المنكود...
وكان في وسط المذبح نجمة كبيرة أسموها: نجمة المؤمنين، أحدثت بها أشعة الشمس لمعانا يبهر الأنظار، ويحدث ألما شديدا في عيون الناس المكرهين دائما على التحديق فيها.
... وصاح جاهل متعصب من العامة عندما نظر إلى تلك النجمة اللامعة صارخا:
-    عجبا ... عجبا..
وأخذ الناس يرددون وراءه نداءه، وكان صوتهم كالرعد العاصف المزمجر:
-    عجبا ... عجبا... الويل للزنادقة...
وقال الكهنة:
-    عجبا ... عجبا... أظهر مجدك يا رب، وبارك المؤمنين...
وأخذ الناس يقرعون صدورهم، فصاح الكهنة قائلين:
-    إركعوا يا أهل لشبونة .... إركعوا فقد أشرق نور السيدة العذراء...
وجاؤوا بالصلبان من داخل الكنيسة، وصاح أحد الكهنة مخاطبا تلك الجموع:
-    إن النور الذي ترون ليس نور السيدة العذراء... ولا هو من نور الله، بل هو نور الشمس وانعكاس أشعتها، وقد قالت السيدة إنها لا تشرق من نورها علينا لوجود كفرة بيننا لا يستحقون مشاهدة النور الإلهي، فأرجو الله أن يزيل أولئك الكفار عنا ... ومن بيننا...، هيا ارجوه...
فصاح الشعب المتعصب، كأنه رجل واحد، وبصوت هادر قائلا:
-     الويل للزنادقة... الويل للكفرة....
ثم نهضت تلك الألوف المؤلفة ، وسارت في موكب كبير، وأخذوا يصيحون بالويل والثبور وعظائم الأمور، وبالقتل لكل اليهود والزنادقة والكفرة والملحدين... واجتمع الشعب على يهودي فقتلوه شر قتلة، واعترض معترض عليهم فأستعملوا الخناجر بمهارة في جسده، واشتد اللجب والصراخ، وسار الكهنة في مقدمة الجماهير تصحبهم صلبانهم وراية الخلاص لكي يؤججوا من حماسة الشعب المتعصب الجاهل. وأخذت المذبحة تمتد رويدا رويدا على أنحاء المدينة، وأخذ كل من يتوقع شرا في الهرب من الموت، فكانوا إذا وصلوا إلى البيعة الكبيرة ليحتموا بها طاردتهم القساوسة حاملو الصلبان، فكان لا بد من وقوعهم فريسة للموت بيد الشعب الهائج .
ولما انتصف النهار كانت الطرق والميادين ملأى بالجثث، وقد وضعت في أكوام مكدسة، وسار المنادون من قبل ديوان التفتيش وهم يستنهضون الشعب لقتل اليهود وكل مقاوم للكنيسة، وهم يباركونهم إن فعلوا ذلك، وكانوا يقولون:
- الويل لهم ... إنهبوا ... ومن لا ينهب معكم فاحرقوه بالنار !!!
وقتل الشعب الهائج النساء وهن يحملن أطفالهن، وقتلوا معهن أطفالهن؛ وكانوا يدخلـون إلى البيـوت ليقضوا على فرائسـهم، ثم يحرقون عليهم دورهم.
وحاول بعض النسوة تخليص أطفالهن برفعهم فوق رؤوسهن، ولكن أين ... أين الخلاص ؟؟؟ والموت الزؤام لهم بالمرصاد، فالشعب ثائر ، وكهنته يستحثونه لارتكاب الفظائع التي تقشعر لهولها الأبدان.
ولما حل الليل وأرخى سدوله امتدت المذابح ... والكهنة كالضباط يقودون الناس لارتكاب المنكرات، وهم يحملون معهم تمثال العذراء، وينشدون الأناشيد الدينية باللاتينية، ويرد عليهم الشعب وهو يرتل لازمتها بلغة ولهجة مستنكرة، أضف إلى ذلك صلصلة الأجراس المتوالي، ورائحة الأجساد المشوية  يحملها دخان الحرائق..
واستمرت المذبحة لليوم التالي بليله، ثم مضى اليوم الثالث والحالة تزداد سوءا، فاضطرت الحكومة للتدخل، فبعثت جندا لرد السفاكين، وأعدمت بعض المذنبين شنقا ذرا للرماد في العيون، بينما استمر غيرهم في مذابحهم.

ثم رأى الكهنة أنه لا يجوز للشعب أن يقتل الكفرة بيده من غير محاكمة ولو صورية، فسعوا لتأسيس محكمة ديوان التفتيش في البرتغال، وبعد بحث في المسألة رضي الملك جوان الثالث، ملك البرتغال بتأسيس ذلك الديوان في بلاده.”(2)
ويذكر هنا أن بعض أحكام ديوان التفتيش في البرتغال كانت حرق الناس وهم أحياء، وكانت تقام حفلات وحشية لتنفيذ هذه الأحكام يحضرها الملك جوان الثالث مصطحبا معه الملكة والوزراء ورجال الدولة وكبار رجال الدين، حيث يجلسون في مكان مرتفع للتمتع بمناظر حرق الأحياء.(3)
وكان البرتغاليون الكاثوليك يحرقون الأحياء مستندين إلى قول ينسبونه إلى المسيح، عليه السلام ، حيث يذكر رئيس المحكمة أو الديوان أن المحكوم عليهم وجب قطعهم وحرقهم بالنار عملا بقول السيد المسيح : “ من ليس معنا فهو علينا، وإن كل شجرة لا تثمر وجب قطعها وإلقاؤها في النار. إن الذنب ذنبهم، ودماؤهم على رؤوسهم”(4)
ويلاحظ أن ديوان التفتيش في البرتغال عندما يصدر أحكاما بحرق الناس وهم أحياء إنما يذكر بقصة أصحاب الأخدود التي وردت في القرأن الكريم { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}( سورة البروج، الآيات 4- 8).
وأصحاب الأخدود – كما يذكر المفسرون - هم الملك ذو نواس الحميري آخر ملوك حمير باليمن و جماعته، و إنما عُرفوا بأصحاب الأخدود لأنهم شقوا خندقاً مستطيلاً في الأرض ثم أضرموا النار في ذلك الخندق، ثم أحضروا المؤمنين بالله من نصارى نجران و طلبوا منهم ترك ديانتهم و الدخول في الديانة اليهودية المنحرفة التي كان عليها الملك، و كان مصير من يرفض أن يُلقى في النار و هو حي، وكان الملك وجماعته يتلذذون بمشاهدة تعذيب أولئك المؤمنين المستضعفين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش
1. قطب، محمد علي، مذابح وجرائم محاكم التفتيش في الأندلس، مكتبة القرآن، القاهرة، 1985م، ص75.
* يقصد بالراعي الصالح حسب المذهب الكاثوليكي: المسيح عليه السلام، وقد ورد في إنجيل يوحنا أن فكر الراعي الصالح مشغول دائما بالكيفية التي يسدد بها احتياجات قطيعه في الجوع والعطش والبرد لئلا يُفقد أحد من خرافه، لذلك يقضي جل وقته معهم.
* الهراطقة: أطلقت  الكنيسة هذه التسمية على كل مخالف لها للبطش به. وتعني بها: الكذب والفجور والخروج عن الدين، وأي رأي يراه عالم في الكون هرطقة، ومحاولة فهم الكتاب المقدس لرجل غير كنسي هرطقة، وانتقاد شيء يتصل بالكنيسة هرطقة، ومساعدة واحد من هؤلاء أو الرضا عن اتجاهه هرطقة... وهكذا.
2. قطب، مذابح وجرائم محاكم التفتيش في الأندلس، ص92 – 97؛ مظهر، علي، محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال وغيرها، المكتبة العلمية، مصر، 1947م، ص66- 69.
3. مظهر، المرجع السابق، ص61.
4. المرجع نفسه، ص62- 63.لثبور وعظائم الأمور، و بالقتل لكل الزنادقة واليهود والملاحدة، فاجتمعوا على يهودي فقتلوه شر قتلة، وقتلوا كل معترض عليهم بالطعن والتمزيق .
رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل - المدير العام: د. حسين أحمد الطراونة