الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«صديقتي اليهودية».. الرؤيا والتكتيك

تم نشره في الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2000. 02:00 مـساءً

نضال القاسم *

عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت صدر مؤخراً للقاص والروائي الأردني صبحي فحماوي رواية  جديدة بعنوان «صديقتي اليهودية» وهي الرواية التاسعة للفحماوي، وجاءت «صديقتي اليهودية» معبأة بخبرات تلك السنوات, جديدة وعميقة, ومن الملاحظ فيها ذلك الجهد في البنية والخطاب، إذ تبدو الصياغة السردية لها ناضجة ومتميزة.
ورغم ما يمكن أن يقال عن حداثة تجربة صبحي فحماوي الروائية، التي برزت في مطلع الألفية الجديدة، فإنها كانت الأكثر حضوراً وتألقاً خلال السنوات العشر الماضية، من حيث نوعية الكتابة وخصوصية موضوعاتها، المرتبطة ارتباطاً عميقاً بالقضية الفلسطينية، والتي تمزج ما بين الواقعي والرمزي والخيالي في مشاهد تثير الدهشة والإعجاب.
وتمثل رواية «صديقتي اليهودية» استمراراً متصاعداً لإبداع الكاتب وعوالمه المتميزة، وهي بلا شك رواية متميزة بعالمها ورؤيتها، متميزة بفضائها وشخوصها، متميزة بلغتها وأسلوبها، وتلك أهم مقومات الكتابة الروائية بشكل عام. وتتوافر عناصر البناء الروائي كافة في رواية «صديقتي اليهودية»،حيث نجد أنفسنا أمام شخصيات متكاملة الملامح، أبطال رئيسيين وآخرين مساعدين، أحداث متصاعدة، أمكنة محددة المعالم ومتنوعة التضاريس الجغرافية، رصد اجتماعي مركز لمفردات البيئة، وتحيط بكل ذلك رسالة فكرية أراد الفحماوي إيصالها إلى المتلقي.الشيء الذي يسمح بالحديث عن هندسة سردية مختلفة، تأخذ بعين الاعتبار عامل الفضاء كمكوّن لا يرتهن إلى المواضعات السردية المطروقة، بل يقوم بأدوار تتجاوز ما دأب عليه الاشتغال السردي التقليدي، ويقترح بديلا نُسغه بطولة المكان.

   
وقد اجترح الفحماوي رواية بانورامية كسر فيها الزمان والمكان بتنوعهما وتلاوينهما والمرايا والصور واللغة التي تعتكس فيهما، وقد قام بمهمة رسم مسار الرحلة لعددٍ كبير من الأماكن التي قام بزيارتها خلال فترة زمنية امتدت سبعة عشر يوماً فقط، ويكتنف أسلوب الراوي الانتقال الفجائي بين صيغ الزمن المختلفة في نمط بنائي، يبدو متفقاً مع شخصيته وطريقة تفكيره. فقد ابتدأت الرحلة صباح يوم 12-6-1993 وانتهت في صباح يوم 29-6-1993.
ويبرز في الرواية، خليط  من الأمكنة والأزمنة والمدن والتجارب الشخصية المليئة بالخيبات والمسرات التي منحت الرواية طعماً خاصاً ونكهة مميزة، وهذه الأمكنة هي اللامكان في حد ذاته، لأنها أماكن للمرور وليست للإقامة، أماكن بدون جذور، بلا روح، أمكنة بلا هوية. فهي بمجملها محطات للرحلة المستمرة، للرحلة التي تتجاوز الإقامة الجسدية إلى التيه الروحي والغربة الداخلية. أمكنة خالية من تلك الروابط الدقيقة والبسيطة لكن القوية حيث نشأت العواطف ونمت، وحيث تشكلّت الهوية.
وصفوة القول أننا إزاء رواية جميلة نقلتنا لحين من مناخ الوطن العربي العنيف والقاسي الى فسحة المكان الأوروبي المشرب بالحضارة والمدنية والديمقرطية والانفتاح على الآخر، حيث يبرم الكاتب بين عدة رحلات يجعلها متتابعة في قصص تبدو وكأنها قصة طويلة واحدة، حيث يسافر «جمال قاسم»، الشخصية الرئيسة في الرواية،  في رحلة سياحية من عمّان إلى روما، فيزور الفاتيكان برفقة سائحةٍ أمريكية، وبعد ذلك يغادر إلى مدينة فلورنسا، فتكون له قصة حب عابرة مع صبية إيطاليةٍ تنتهي بليلة غرام تستمر حتى الصباح، بعد ذلك يتجه إلى مدينة «جنوة»، فيسافر بالطائرة إلى لندن، حيث يواجه في مطارها صدمة تفتيش وتدقيق في أوراقه، فقط لأنه عربي...ومن لندن يغادر إلى مدن إنجليزية، حيث يتعرض على شاطىء البحر الجنوبي لضربات عنيفة من مشجعي كرة القدم الإنجليز «الهوليجانز» الذين اعتقدوا بأنه فرنسي. يعود بعدها إلى حافلته السياحية في لندن التي تنطلق في رحلة سياحية من «ساحة بيكاديللي» وسط لندن إلى بحر الشمال، فبلجيكا وهولندا وألمانيا والدنمارك والسويد، والنرويج، فيجلس «جمال قاسم» في الحافلة إلى جوار فتاة شقراء مشوية البشرة كرغيف الخبز المُقمّر، ليكتشف لاحقاً أنها سيدة يهودية في الخامسة والثلاثين من عمرها وتعيش في مدينة مكسيكو، تُدعى «يائيل آدم»...وخلال الرحلة يتعرفان على بعضهما، ويتحاوران بعمق حول موقفيهما المتناقضين من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ويتبادلان قصصاً كثيرة، تنتهي بوقوعهما في الغرام.
ويستمر السارد في وصف المحطات الرئيسة للرحلة حيث تنحدر الحافلة من الهضاب الجبلية إلى بحر الشمال وتتوقف في ميناء دوفر، وبعد ذلك يستقل الركاب عبّارة اسمها «كوين فكتوريا» لتبحر بهم إلى الشاطئ الآخر، لترسو في ميناء أوستند البلجيكي والذي يُعد أقرب محطة وصل في بحر الشمال بين بريطانيا وأوروبا، وبعد ذلك تتحرك الحافلة من بلجيكا باتجاه هولندا، وتحديداً إلى مدينة روتردام، التي يعتبرُ ميناءها الموقع الطبيعي لميناء أوروبا الرئيس، مما جعل هولندا من أهم الدول التجارية في العهد الحديث. وتستمر الرحلة بعد ذلك باتجاه الشمال الشرقي فتتجه الحافلة نحو مزارع بوسكوب، حيث السهول الواسعة الشاسعة المصبوغة بالألوان، وتتجه بعد ذلك إلى مدينة أمستردام التي تعتبر عاصمة هولندا وأكبر مدنها، فلقد أسست هذه المدينة في القرن الثالث عشر الميلادي، كقرية صغيرة لصيد الأسماك، على ضفاف نهر «أمستل»، وتشتهر أمستردام بكثرة قنواتها المائية، كما أن المدينة تشتهر أيضاً بشبكة النوادي الليلية التي يديرها اليهود الذين يجلبون بعض الصبايا الجميلات الفقيرات التائهات في شوارع أوروبا الشرقية، والمنبهرات بحرية الغرب المزركشة بالألوان للعمل في بيوت الدعارة وفي نوادي القمار، ومن هنا فقد ركزت الرواية على قضية في غاية الأهمية وهي أن أمستردام تعتبر مركز الدعارة الأوروبية التي يقودها اليهود، ومن هنا فقد أشرّت الرواية على أن المخدرات والجنس الذي يتم تسويقه للعالم يتم من قبل اليهود.
وبعد قضاء ليلتين في أمستردام، تتجه الحافلة من جديد إلى محطة أخرى من محطات الرحلة وهي مدينة «إسن» الهولندية القريبة من الحدود الألمانية، وصولاً إلى ألمانيا، حيث ناموا ليلة في مدينة بريمن ثم اتجهت الحافلة نحو هامبورغ ومن ثم مدينة «كيل» التي تُصنع فيها السفن التجارية العملاقة، لتستمر الرحلة بعد ذلك على متن سفينة تعبر بحر البلطيق، فتصل إلى مدينة «كوبنهاجن» الدنماركية الجميلة، ولتستمر الرحلة بعد ذلك، حيث تتجه الحافلة من جديد نحو السويد...هذه البلاد الجميلة، ذات المياه الكثيرة الكثيرة، والخضرة الساحرة، وتتوقف الحافلة في مدينة «نورشوبنج» وهي مدينة إدارة امور الهجرة، إذ أن فيها حوالي خمسة آلاف موظف مختص بمعاملات الهجرة، ومن ثم تصل الحافلة إلى مدينة «سُدُرْتاليا» مركز صناعة سيارات «سكانيا» العملاقة، والمدينة الأقرب إلى ستوكهولم، وقبل الوصول إلى ستوكهولم تصل الحافلة إلى «جملاستان» وهي مدينة قديمة بيوتها سويدية الطابع التقليدي، وهي تقع على أعتاب مدينة ستوكهولم.
وتخرج الحافلة بعد ذلك من بلاد السويد وتخترق الحدود النرويجية، وهي تنهب السهول وتخترق الانفاق وترتفع فوق الجبال المعلقة في السماء، لتصل إلى أوسلو عاصمة النرويج، وفي النرويج يقومون بزيارة مدينة «بيرجن» المتوجة هناك في قمم الجبال، ويستمر الحوار أثناء الرحلة بين «جمال» و»يائيل»، وفي ختام الرحلة تعود الحافلة إلى كوبنهاجن، إلى حيث تنتهي الرحلة. وقد اتسمت الحوارات بينهما بالنضج، سواء في الأفكار أو في الكلام المتبادل بينهما وهو ما يتوافق مع ثقافتهما وعمرهما. وقد عبرَّ السارد عن هذا المشهد خير تعبير حين قال:- «لا أعرف كيف ودعتها...هل وعدتها بزيارتها في مدرستها المكسيكية؟ هل وعدتني بزيارتي في عمّان؟ هل لعلاقتنا أن تتوطد، وتستمر؟ كل الذي أذكره أن الأفق كان ضبابياً، وأن دموعنا الممتزجة على وجهينا الملتصقين، لم تجعلنا نشاهد بعضنا بعضاً، ونحن نقف متداخلين بقبلة لم تنته بتلك البساطة عند حاجز ركاب الطائرة، التي أقلتني لأعود من هناك إلى عمّان..»، الرواية، ص226».
ولا يحمل المكان في رواية «صديقتي اليهودية» وجوداً محايداً، وهو يعكس وجوداً موضوعياً مفعماً  بالدلالة من خلال الأفعال وتشابك العلاقات، إذ استحضر الحادث وقرب الواقعة من القارئ في زمنية موحية يأسره فيها الحاضر أكثر من الماضي؛ وبذلك يحصل نوع من التخريج التخيلي والجمالي للتاريخ، والذي له الأثر النفسي والمعرفي والجمالي على المتلقي أثناء وبعد عملية القراءة.
ويكتسب الحوار في رواية صبحي فحماوي أهمية كبيرة وهو يمثل الملفوظ القصصي الذي تنطق به الشخصيات لتعبر عن نفسها ومستوى تكوينها المعرفي ومجال فعلها الروائي عامة، وهو يُعبّر عن الواقع النفسي والشعوري للشخصيات وعن المستويات الفكرية بأسلوب تمثيلي بدلاً من الاعتماد على السرد أو الوصف وحده. وقد أبرزت الحوارات داخل الرواية وضوح الرؤيا للشخصيات الروائية والتي استطاعت التعبير عن أفكارها بوضوح، حيث أتيح للشخصية في علاقتها بذاتها وللشخصيات فيما بينها القدرة على التحاور بشكل مباشر، وعلى أن تكشف عن بواطنها الداخلية بشكل أكثر حيوية، لهذا نجد الرواية تتزاوج بين السرد المباشر والحوار وأساليب السبر من حوارات داخلية ورؤى فكرية، وحوارات تطلقها الشخصية.
ويوجه «جمال قاسم» رسالة واضحة إلى «يائيل»، حيث يقول لها: «يبدو أن فيكم جينات الهجرة يا يائيل! ألا تلاحظين معي أن مواصفات شخصيتكم غير هادئة، وأن خارطة خلاياكم الوراثية فيها جينات محفزة للتنقل، ولا تعرف القعود، ولا تستطيع الاستقرار حيث تنشده؟ انتم شخصية قلقة، دائمة الهجرة. ترى لماذا هاجرتم ثماني هجرات تاريخية، بينما بقيت شعوب اليونان والرومان والعرب والألمان، والصينيين واليابانيين والهنود، قابعة في اراضيها، ولم يهاجروا منها، منذ ذلك الحين. ترى غلى اين ستكون هجرتكم التاسعة بعد فلسطين؟»...ورداً على هذا السؤال المخيف لها، انفعلت يائيل وهي تقول: لن تكون بعد هجرتنا إلى فلسطين هجرة أخرى. ستكون إسرائيل الكبرى هي آخر مراحل التاريخ..». الرواية، ص64-65».
ويستمر الحوار على هذا النحو حتى شعرت يائيل أن الحوار يستضعف حججها الفكرية، ويلوي عنق مبادىء علموها إياها، فكانت تعلمها لأبناء مدرستها، وأبناء أجيالها القادمة...ولكنها هنا لم تعد تستطيع مواصلة الحوار، فحاولت تغيير فحوى الحديث. ولكن «جمال قاسم» استمر يتدفق بأفكاره من خلال العودة آلاف السنوات إلى الوراء، حيث كانت الحضارة الكنعانية هي الزمن المفتوح على معنى التاريخ ودلالاته الواسعة، وقام بإسقاطات ناجحة لبرمجة الصورة الروائية، حيث قال لها:- «لقد عاش الكنعانيون في فلسطين منذ عصر الإنسان الأول، وأما يهود الخزر الأوروبيين، فلقد قام كُتّابهم وفلاسفتهم بقراءة تاريخنا الكنعاني في غفلة من الزمان، فاستنسخوه، ثم وضعوا اسمهم مكان اسمنا...لقد ساروا على خطانا، ولكن بممحاة تزيل كل اسم (كنعاني)، أو فلسطيني، فتضع مكانه اسم (اسرائيلي)....»
نظرت في عينيها، وقلت لها: «حتى أن اسمك يائيل، هو اسم كنعاني، وهو يعني (يا إل)، إذ كان (إل) هو إله الكون كله عند الكنعانيين، ونحن عندما نقصد الخروج أو الدخول، نقول (يا ألله)! وكان أجدادنا الكنعانيون يقولون: (يا إل) أو (يائل) أو (يائيل) وذلك حسب لهجاتهم، بينما إله اليهود هو (يهوة) فكيف تستنسخوننا وتحاولون أن تكونوننا؟».. انتهى الاقتباس، الرواية، ص69».
ويمكن القول إن فحماوي استطاع أن يضع أمام أعيننا العديد من الشخصيات المتأرجحة بين عالم الواقع والخيال، والتي بقيت في حالة تأرجح حتى النهاية، والتي كان لها أدوار محدودة ولكنها في الوقت ذاته أعطت الرواية نكهتها وفرادتها، وهي الشخصيات التي التقى بها الكاتب في محطات عديدة من رحلته على مسرح واحد للأحداث هو أرض أوروبا، لتمثل هذه الأمكنة فيما بعد الحاضنة لقصة الحوار الانساني الشامل الأبعاد، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر «لورا، روز،  هنري،  ريمون، تمارا، ريجينا، كارولينا، كارين».
وكما في كل سرد نابع من تجربة حادة وعميقة وحقيقية، نجد أن «صديقتي اليهودية» تتخطى فردانية الكائن لتصل إلى تخوم الإنساني بشكل عام كي تتواجه مع كل قارئ وتدفعه إلى الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى، بشكل أفضل من كل بحث فلسفي. وقد تبدّت جمالية الرواية في فكرتها وحدثها وحكائيتها، وسردها الاسترجاعي الواقعي، فأدّت وظيفتها الفنيّة خير أداءٍ، بواقعيةٍ حيةٍ منتزعةٍ من صميم الزمن الذي نعيش فيه، وبصورةٍ فنيةٍ جماليةٍ تنهل في بنيتها العميقة من معطيات المدرسة الواقعية.
هكذا تكتمل البنى السردية التعبيرية واللغوية في أغوار الرواية؛ حيث للروائي أن يتحاضر الزمان والمكان والكائنات في استبصار حصيف عبر الوعي واللاوعي وعبر الأنساق والسيرورات التي تتموج وتترقرق وتعذب وتجري في تضاريس الشكل الروائي؛ وما يقدر الروائي على استبصاره واستكشافه وطاقته كراءٍ لرصد التحولات  والتغيرات والتبدلات التي تعتري الأزمنة الروائية كما تعتري الأماكن وفعل الزمن في الكائنات؛ كل هذا يندرج في رواية ساحرة للروائي صبحي فحماوي.
ومن هنا يمكن القول إننا أمام نص روائي متميز، تمكن الكاتب من حبك تقنياته السردية عبر تداخل الضمائر السردية التي تراوحت بين ضمير الغائب وضمير المتكلم الذي يستغور دواخل الذات، بشكل لافت، كما نسجل للكاتب اعتناءه باللغة، وبتشخيص انفعالات الذوات، عبر وصف شاعري.

* شاعر وناقد من الأردن

 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل