الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إليها .. حيث لا أصلها فتصلها الكلمات!

حلمي الأسمر

الأربعاء 12 كانون الثاني / يناير 2011.
عدد المقالات: 2514
إليها .. حيث لا أصلها فتصلها الكلمات! * حلمي الاسمر

 

إليها ، إلى أم العيال ، في عيد ميلادها ، حيث لا أصلها في سفرها ، فتصلها الكلمات..،.

لأعترف الآن أنني لا أكتبك بل تكتبينني، للمرة الأولى "أنكتب" بمحض إرادتي ، وأترك لأصابعك الدافئة أن تعبث بـ "خصلات" كلماتي كيفما تشاء ، تبعثرها تلملمها ، تريقها على سفوح الورق أو الكي بورد ، لا فرق ، فقد طويت الشراع وتركت لقاربي الصغير حرية التحرك وفق مشيئة الموج،.

اكتبيني كما تشائين.. سهرت هذه الليلة أنتظر شقاواتك ، لم أحسب أن أتحول أنا نفسي إلى "شقاوة" من هذه الشقاوات ، أبحلق في بياض الانتظار ، ولا تأتين،.

كأنني في امتحان الصف الأول ابتدائي ، وكأنني أمام درس في الإملاء ، أو جدول الضرب ، كنت فيما مضى ، أحسب أنني أحفظ جدول الضرب عن ظهر غيب ، لأكتشف أنني لم اتهجأ تعداد الأرقام من واحد إلى عشرة ، كنت أحسب أنني أمتلك الأبجدية ، بل ربما قادني غروري إلى اعتقاد أحمق ، حيث بت أظن أنني أصنع الأبجديات وأشكلها كما أشاء ، ولكن حين جلست في حضرتك ، وبدأت أتهجأ درس إملائي الأول ، تلعثمت الحروف على شفتي ، وانسربت بلاغاتي من بين أصابعي لتضيع في خصلات شعرك، كنت أحسب من قبل أن قلبي شاخ ، ولم يعد بوسعه أن يخفق برعونة ، ولكن حينما رأيت بريق عينيك الغريب ، ذات مساء خفت فيه على حياتنا المشتركة ، ارتحلت فورا إلى كوخ بكر في غابة تغفو عند قدمي بحر لم تلوثه قدما إنسان ، ورأيتني اتشبث بهذا البريق ، كأنه حبل دخان يجرني إلى اللامكان ، حيث أكون أنا ، بكامل رعونتي ، بعيدا عن ربطة عنقي ، وبذلتي ، وتمشيطة شعري المحافظة ، وانتابتني رغبة حارقة في الغرق في فيك ، ولتكتبيني كما تشائين ، بكل أخطائك الإملائية ، وصياغاتك الطفولية،.

عشت طيلة سنوات ، أكتب الآخرين ، أشكلهم كما أشاء ، وأرسمهم كما أشاء ، غير أن أصابعك الساحرة تعيد تشكيلي الآن على مقاس لحظة سرحانك ، أو سهوتك ، أو التفاتتك ، أو حتى صرخاتك أحيانا ، حينما يضج البيت بالفوضى، هل أعترف أكثر؟

حسنا ، لأقل إذن ، أنني في لحظة إراقة ، كما يراق الدم على جوانب الشرف الرفيع ، ولأعترف أنني في منطقة دخانية ، تمتلىء برائحتك ، هل أعترف أكثر؟ حينما رحلت عني بعيدا ، أمسكت بيدي ، وبدات أبحث فيها عن عبيرك الذي علق بكفي ، أستعيد تلك اللحظة المليئة بالنشوة ، وأنا اضم يدك الدافئة،.

مللت كثيرا وأنا في الانتظار ، ودعتك وحين عدت إلى البيت لألملمني ، وجدت بعضا مني فقط ، اما بقيتي فقد ظلت تحوم حول طيفك ، وأنت تسافرين إلى المدينة البعيدة ، كيف لي من بعد أن أستعيدني؟ كيف أعود إلى حالتي السابقة ، كيف أعيد توحيدي بعد كل هذا التبعثر؟.

انتظرت إطلالتك فور أن غادرت ، جاءني صوتك مضمخا بي ، كنتني وكنتك ، ولم أعد أميز ، بين صوتي وصوتك ، هل أنت تلك المرأة التي في البال؟ كم كنت بليغة حين قلت لي أنك حسمت امرك ، وكم تضاءلت حين كنت أفلسف الأمر ، واتحدث عنك وكأنك المرأة الموعودة ، المرأة التي أحسب أنها أتت ، فيما كنت أكبر من فلسفتي ، كنت في حقيقة الأمر تسافرين في شراييني ، وتختلطين بخفقات قلبي ، بل تعيدين "دوزنة" إيقاعاتها ، وحبالي الصوتية ، هل أعترف أيضا ، حين كنت تصمتين وتمنحينني لفتة سريعة كبرق ، كانت سمائي تنهمر بمطر استوائي ، وأغرق في دفء جديد ، لم اعرفه من قبل، هل أطلت عليك؟ لم لا ، هذا هو السطر الأول في الأبجدية الأولى ، التي بدأت في فك حروفها الأولى ، كاتبا في الصف الأول الابتدائي يحاول أن يحفظ درس الإملاء الأول ، ويجتهد في ألا يخطىء في كتابة الهمزة ، التي تتحول بين شفتيك إلى تنهيدة متحفظة ، تكتبني في سفر التكوين الأول،.

إليك هديتي.. أنا ، أو ما بقي من هذا العمر ، أغلى ما يمكن أن أقدم من هدايا في عيد ميلادك..

hilmias@gmail.com



التاريخ : 12-01-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش