الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هيمنة إيرانية

حمادة فراعنة

الأربعاء 18 كانون الثاني / يناير 2017.
عدد المقالات: 372


لا نحمل العداء لايران، قومية أو قوميات، مذهباً أو مذاهب، فالشعب الايراني جار ويرتبط العرب معهم بمصالح متداخلة وقواسم مشتركة، مثلهم مثل الأتراك والأثيوبيين، شعوب كبيرة تمتد الجغرافيا بيننا وبينهم، ونتقاسم معهم المياه والشواطيء والمباديء والتراث والحياة.
ومصالح العرب وأمنهم القومي مرتبط بتوفر عناوين العمل المشترك واحترام المصالح، وتبادل المنافع، والترفع عن مناهضة بعضنا بعضاً، كشعوب فرضت الجغرافيا نفسها علينا، وورثنا التاريخ المتبادل بما فيه من صراعات قديمة، وتعايش مشترك، وتداخل في القيم والدين وعوامل صنع الحياة، لا نحن سنتحول لايرانيين أو أتراك أو أثيوبيين، ولا هم سيكونوا عرباً، بل سنعيش سوياً الى جانب بعضنا بعضاً كما كنا لآلاف السنين، وكما يجب أن نكون على أساس الندية والتكافؤ وحسن الجوار واحترام المصالح .
ما يجري اليوم في العراق، يتنافى مع هذا الاستخلاص المهم والضروري، ايران اليوم تفرض على العراق سياستها وترغمه على خيارات تتعارض مع التعددية، القومية والدينية والطائفية، التي تحكم العراقيين وتستقر بهم، حيث لم تعد ايران حليفة وداعمة لأحزاب أو شخصيات أو توجهات سياسية بعينها، فالتحالف شيء طبيعي ولو زاد عن حده، ولكن ما تفعله ايران يتجاوز التحالف مع شريحة كبيرة أو صغيرة، أكثرية أو أقلية عراقية، انها تفرض سياسات وعمليات تطهير وتصفية حسابات مع اتجاهات أو شرائح أو شخصيات على خلفية الحرب العراقية الايرانية، وأكثر من هذا هي تدخل في صياغة المشهد السياسي العراقي بما يوفر لها الهيمنة والسيطرة الايرانية على مؤسسات صنع القرار مستغلة نتائج الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، واسقاط نظامه السابق وتدمير قدراته وحل الجيش، والعمل على اجتثاث حزب البعث العربي القومي.
لقد تعاونت ايران مع الولايات المتحدة في احتلال العراق وتغيير نظامه، واستفادت من ذلك ووظفت نتائج الاحتلال كي ترث الأميركيين، والنظام السابق، وداعش، والقاعدة، عبر قوات الحشد الشعبي، والحرس الثوري، والمؤسسات الأمنية، والأحزاب العراقية الموالية لها.
لقد بات قاسم سليماني هو القائد الفعلي ووريث الجنرال الأميركي تومي فرانكس الذي احتل العراق، وها هو مستشاره السياسي الذي تم تعينه سفيراً لطهران في بغداد يرث السفير الأميركي بول بريمر، وبفرض سيطرته ومصالحه وخياراته على الشعب العراقي، التعددي بخياراته وقومياته وطوائفه، يتحرر العراقيون من جرائم داعش والقاعدة وأفعالهم العنيفة، فيقعون تحت مظالم الحشد الشعبي وأفعالهم المشينة على خلفية الثأر أو الحرب أو العداء للأخر، قومياً وطائفياً .
لا مصلحة للعرب بالتصادم مع ايران، وبقاء العداء متواصلاً لأنه سيبقى بلا نتيجة ايجابية، لا هم سينتصرون على العرب، ولا العرب سيهزمونهم، بل سيبقى العداء والصراع والاستنزاف عنواناً للحياة، بدلاً من أن يكون التعايش والتعاون واحترام المصالح وتبادل المنافع هو معيار العلاقة وهدفها واستمراريتها .
لا تستطيع ايران الأدعاء أنها حامية للشيعة، لأن الشيعة جزء من العرب وقوميتهم في لبنان وسوريا والعراق واليمن والخليج عربية، لأنهم عرب، مثلما لا يستطيع العرب أو أنظمتهم أو بعضها الادعاء أنهم يمثلون السنة، فالسنة والشيعة هم مكون واحد من الدين الواحد، فهو الأصل والأقوى، وما محاولات توظيف الأدعاء بحماية السنة أو حماية الشيعة سوى توظيف سياسي انتهازي مكشوف، من قبل هذا الطرف أو ذاك، ضد الخصوم السياسيين، أو تعبيراً عن تطلعات توسعية اقليمية لن تكون نتائجها خيرة لأي طرف ولأي نظام ولأي توجه أو خيار، عربي أو ايراني.
ما زال يمكن استبدال الهيمنة والتسلط بقبول التعددية والتعايش والشراكة، والحفاظ على مقدرات العرب وايران معاً، وتوظيف المال من أجل أمن واستقرار العرب والايرانيين سوية، ومن أجل رفاهية الطرفين وشعوب المنطقة، بدلاً من توظيف التفوق الايراني لفرض سياسات أو برامج أو خيارات على حساب العرب وأمنهم واضعافهم وتدمير مكانتهم وبلادهم كما يجري اليوم في العراق وسوريا واليمن.
لقد سبق لتركيا وأن تواطأت للتأمر على سوريا فسهلت تدفق المتطوعين الاسلاميين المتطرفين من أوروبا وآسيا لدخول سوريا والعراق، وانخراطهم في صفوف القاعدة وداعش، وتمرير السلاح وتوفير العوامل اللوجستية تغذية للحرب المدمرة التي عصفت بسوريا والعراق، ولكن هذه السياسة التي قادتها تركيا عادت عليها بالخراب عبر ثلاثة عناوين :
الأول : صعود الخيار الكردي على أرض تركيا كما سبق وحصل للأكراد في العراق وكما يتطلعون في سوريا .
والثاني : تدفق اللاجئين الذين أضروا تركيا، وباتوا عبئاً على اقتصادها .
والثالث : العمليات الأرهابية التي ضربت العمق التركي بعد أن أغلقت تركيا أمام تنظيماتهم المتطرفة تسهيلات الأنتقال والعمل عبر أراضيها، وها هي تركيا قد صابها الصحو، وغيرت من خياراتها، ولم يعد برنامجها وشعارها وعملها اسقاط نظام بشار الأسد كما كانت ترغب وتفعل، فاستدارت مائة وثمانين درجة سياسية فبات خيارها وتعاونها مع روسيا وايران .
وايران لن تكون بعيدة عن نتائج خياراتها المدمرة للعراق، فالارهاب سينتقل لها كما انتقل لتركيا، والقضية الكردية المتحركة بصمت على أراضيها ووسط شعبها لن تبقى بعيدة الأثر عما يجري في العراق وسوريا، فاذا كان الأكراد ستة ملايين في العراق ومليونين في سوريا، فهم يقتربون من عشرة ملايين أو أكثر في ايران، ونموذجها في السلطة واحترام القوميات والمذاهب الأخرى ليس نموذجياً، وبالتالي فالأمراض القومية والدينية والطائفية التي عصفت بالعراق وسوريا واليمن وبعض بلدان الخليج، سيصل أثرها الى ايران ليعصف بوحدة ايران، طالما أن قدراتها المالية والاقتصادية مسخرة لمصلحة الحرب والتوسع، وليس لمصلحة توفير أرقى وسائل العيش الكريم للشعب الايراني الذي يستحق ذلك، ونتمنى له كما نتمناه لأنفسنا كعرب.
h.faraneh@yahoo.com

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل