الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تشغيل خدمة الإنذارات المبكرة....!

حسين الرواشدة

الثلاثاء 10 كانون الثاني / يناير 2017.
عدد المقالات: 207


مدينون بالشكر والاحترام لابن القطرانة ابراهيم الحجايا الذي «اشتم» رائحة البارود في الشقة التي استأجرها منفذو عملية الكرك الارهابية، فلولا هذه « الحاسة « الذكية التي حركته لابلاغ رجال الامن العام ومن ثم مفاجأة « المعتدين « وابطال مخططاتهم لكانت النتيجة مفزعة والخسارة اكبر .
 لا ادري – بالطبع – اذا ما تم تكريم الرجل على ما فعله أو لا ؟ هو بالتأكيد لا ينتظر ذلك، فقد قام بواجبه وعاد الى بيته مرتاح الضمير، لكن، ما يهمنا – ويهمه أيضا – هو الدرس الذي يجب  ان نستفيده من هذه الحادثة حين نتعامل مع قضايا مجتمعنا وما يطرأ عليه من مستجدات، لا على صعيد الحس الأمني فقط ، وانما الحس السياسي والشعبي والانساني ايضا.
 أقصد هنا تحديدا « حاسة « الشم، فمثلما اشتم ابراهيم رائحة البارود التي خرجت من « غرفة « هؤلاء الذين بيتوا السوء والشر لبلدنا، لابد ان نعيد تشغيل حاسة الشم لدينا للانتباه لكل ما يمكن ان يخرج من روائح شريرة تستهدف زعزعة مجتمعنا، او تريد ان تشعل النيران في اطرافه.
حين ندقق في مطابخنا السياسية وغرفنا العامة، وربما في شوارعنا ايضا نكتشف ان هنالك انواعا شتى من الروائح التي  تزكم انوفنا :  خذ مثلا رائحة الظلم التي تخرج من بين صرخات الجائعين والمعوزين والفقراء، او من تحت أنّات المرضى الذين يبحثون عن علاج ولا يجدونه، او من خلف صمت المهمشين الذين ضلت العدالة عن الوصول اليهم، خذ مثلا رائحة الكراهية التي بدأت تتسلسل الى اعماق مجتمعنا، خذ ايضا رائحة « الاستفزاز « التي تثيرها مقررات لم تدرس كما يجب، خذ رابعا رائحة اليأس والاحباط والخوف من القادم التي خيمت على مجتمع مازال مصرا على الصمود ومواجهة نيران الاحقاد التي اشتعلت حوله في كل مكان .
هذه الروائح لا تختلف كثيرا عن رائحة البارود التي اشتمها ابراهيم، لكن المفارقة ان انوف البعض لا زالت مسسدودة لا تريد استقبالها، او انه ربما لا يوجد لدينا نسخة من هذا الشاب لكي يشمها، ومع ذلك ارجوا ان ننتبه، فوراء رائحة الظلم واليأس والغضب قصص مفزعة، واخبار ومفاجآت صادمة، نخاف على بلدنا منها، ويدفعنا احساسنا بالخوف للاستنفار من اجل اكتشافها ومحاصرتها قبل ان تتمدد او ان تتحول الى مغامرات لا نريدها.
نريد من السياسي ان يستحضر « حاسة الشم « حين يفكر باتخاذ اي قرار يخص حياة الناس، ونريد من « الديني « ان يستدعي هذه الحاسة الضرورية حين يخاطب جمهوره من الشباب الباحثين عن الامل  في الدينا والاخرة على حد سواء، ونريد من الاعلامي ان « يشم « ما وراء الخبر لكي يتصالح مع ضميره وهو يمارس مهنته المقدسة.
في مرات كثيرة افتقدنا « حاسة « الشم، فداهمتنا الازمات واختلطت لدينا الاوراق، ليس لاننا نعاني من مشكلات مزمنة في التنفس، وانما لان افتقادنا كان نتيجة لاحساس غريب امتزجت فيه الاستهانة بالاستعلاء، والاستعجال بغياب الرؤية .
وكما ان في « الطب « فصولا خاصة تتعلق باجتماع حاسة الشم مع الذوق، ووصفات لمعالجة الذين يعانون من فقدانهما، فإن في السياسة وفي الاقتصاد، وايضا في الدين، فصولا شبيهة، سواء باسم « التوقعات « او باسم الاستباقات، او باسم الخطط الاستراتيجية، وهي كلها مثل الانوف، التي تشتم ما سيكون او لترتيب ما سنفعل وتأثيث ما نريد، دون ان نفاجأ بأي حدث متوقع او غير متوقع .
تاريخيا ، لم تحظ حاسة الشم بالاهتمام لدى الفلاسفة والمؤرخين، وحتى العلماء، كما حظيت به الحواس الاخرى كالسمع والبصر، لكنني وجدت كتابا بعنوان « الرائحة « لمؤلف هولندي ( اسمه بيت فيرون ) يتحدث فيه باستضافة علمية وادبية عن حاسة « الشم « ويعتبرها فاعلا اساسيا في معظم العمليات النفسية والسلوكية التي يمارسها الانسان ( والكائن الحي عموما )، ومن ابرز هذه العمليات « الانذار المبكر حين تتعرض الحياة للخطر» .
استوقفتني عبارة الرجل الاخيرة، وسألت نفسي : وهل الخطر بعيد عنا؟ أبدا، فهو يحصارنا من كل اتجاه، والاخطر من الخطر نفسه ان لا تكون لدينا حاسة شم نافذة تستطيع ان تكتشفه قبل ان يقع.
مطلوب من المواطن، ومن المسؤول ايضا، ان ينهض على الفور لتنشيط هذه « الخدمة « التي وهبها لنا الخالق عز وجل، لحماية بلدنا من كل خطر، وتجنيبها اي مكروه قبل ان يقع لا قدر الله.

رئيس مجلس الإدارة: د. يوسف عبد الله الشواربة - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل - المدير العام: د. حسين أحمد الطراونة