الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

منظمات المجتمع المدني.. الشيطان يكمن في التفاصيل

تم نشره في الأحد 8 كانون الثاني / يناير 2017. 10:36 مـساءً - آخر تعديل في الاثنين 16 كانون الثاني / يناير 2017. 10:00 مـساءً
 كتب: عمر محارمة

 

 كتب: عمر محارمة

تتباين الآراء في الاوساط السياسية والمدنية حول دور مؤسسات المجتمع المدني في مختلف انواعها وادوارها والجدوى من وجودها وآلية تمويلها، وسط علامات استفهام كبيرة تظهر بين الفينة والاخرى حول الاجندة التي تعمل بعض المؤسسات وفقها وحول الرقابة المالية على اعمال ومشاريع ومصادر تمويل هذه المؤسسات، حيث يرى البعض ان مؤسسات المجتمع المدني تنفذ اجندة الجهات التي تمولها، والتي تتحكم في مسار وشكل برامجها، فيما يرى فريق آخر ان تلك المؤسسات تقوم بدور مهم على أكثر من صعيد.

وبعيدا عن حقيقة وضع ودور تلك المؤسسات فإن المطالبة بالرقابة الصارمة على عمل وطرق تمويل هذه المؤسسات يبدو مطلبا محقا ويحمل وجاهة كبيرة خصوصا مع ما يتردد عن شبهات فساد مالي طال عمل هذه المؤسسات.

يبلغ عدد الجمعيات والشركات غير الربحية المسجلة في المملكة نحو 4000 جمعية، تشرف وزارة التنمية الاجتماعية على النسبة الاكبر منها بينما تتقاسم وزارة الداخلية والثقافة والتنمية السياسية والزراعة والبيئة ووزارات أخرى الإشراف على باقي الجمعيات، ويتركز أكثر من 60% منها في العاصمة عمان.

ما يتم تداوله عن التمويل الأجنبي لبعض الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني وتحديداً الشركات غير الربحية وفساد بعضها أدى الى انقسام في أوساط الرأي العام الأردني، فبينما يرى جانبٌ من المجتمع الأردني مدفوعاً بقوى الضغط التي تتبناها منظمات المجتمع المدني مشروعية التمويل الأجنبي والحاجة الماسة إليه لتعزيز التكافل الاجتماعي، ودعم الديمقراطية وإعلاء مبادئ حقوق الإنسان ، يرى جانب آخر أنّ التمويل الأجنبي ما هو إلا واجهة من واجهات الغزو الثقافي والاجتماعي والاقتصادي لمجتمعات واقتصادات الدول النامية، ومنها -بشكلٍ خاصّ- الشعوب العربية، أو ما يطلق عليه من قبل الجهات المانحة دول منطقة الشرق الأوسط.

المفوض العام لحقوق الانسان الدكتور موسى بريزات يرى ان حاجة الدولة للمجتمع المدني حاجة وجودية لا مناص من الاعتراف بها والتعامل معها حيث انه لا تنمية سياسية او اجتماعية اوثقافية دون وجود المجتمع المدني.

ويرى بريزات ان على الدولة تمكين مؤسسات المجتمع المدني وخلق ظروف تساعد المجتمع المدني على المشاركة في مختلف جوانب الحياة العامة.

الا أن بريزات يرفض وجود تمويل اجنبي لتحقيق أهداف وطنية ويدعو في هذا السياق الى انشاء صندوق وطني يتلقى التبرعات والمنح من الدول ومن الشركات او الافراد المحليين بحيث تقوم الدولة بتوجيه أوجه الدعم من خلال هذا الصندوق بناء على الحاجة الفعلية للبرنامج المراد تنفيذه ووفق شروط رقابة ومتابعة دقيقة.

الشعارات العلنية المطروحة التي تهدف لتطوير الإعلام والتنمية السياسية والاجتماعية وتعزيز قواعد الحكم الرشيد، وتمكين الزوجات المطلقات أو رعاية الايتام، عناوين براقة لجذب التمويل، إلا إنه لا يجب الإنكار أن الشيطان قد يمكن في تفاصيل الخطط والغايات النهائية لبعض الجهات المانحة، وفق ما يقول الدكتور محمود عبابنة في دراسة سابقة اعدها عن عمل مؤسسات المجتمع المدني.

وتشير تلك الدراسة الى أن غياب آلية مراقبة مالية فعالة لمنع التربح والانتفاع الشخصي هو عندما تتعامل كثير من منظمات المجتمع المدني مباشرة مع المانحين، وتتكفل بدراسة طرح مسائل حساسة، وذات بعد أمني أو اجتماعي اقتصادي لمعالجتها، وتبدي حاجتها للتمويل، وقد يطلب من هذه المنظمات المدنية الخوض أو الإسهاب في موضوع معين تحت قناع أهداف إنسانية، ولا يستطيع حتى القائمين على مؤسسات المجتمع المدني نفي قيام بعض مؤسسي تلك المؤسسات من التربُح من خلال اعمال مؤسساتهم عن طريق صرف القليل على ورشة أو دراسة أو إحصائية أو ولائم رمضانية وتضخيم فواتير المحاسبة وتوظيف الأقارب والمحاسيب برواتب تزيد عن أقرانهم في سوق العمل.

مداخل التمويل الأجنبي إلى منظمات المجتمع المدني على اختلاف أشكالها أمر فيه متضارب ، فمن جهة أولى لا نستطيع إلقاء تهمة العمالة والارتباط المشبوه لبعض منظمات المجتمع المدني لمجرد جنسية الجهات المانحة، ومن جهة ثانية لا نستطيع أن نبرئ ساحة بعض المنظمات من وجود أهداف وغايات مشبوهه وتربح وإثراء من خلال النشاط الانساني الاجتماعي، حيث يعتمد ذلك على وجه التمويل وطبيعته وهوية الممول ونزاهة متلقي التمويل والنشاط المنوي تنفيذه، فدعم جمعية تعنى بتطوير المهارات السمعية للأطفال الصم يختلف عن تلقي التمويل لشركة غير ربحية مسجلة لقياس مدى الشفافية السياسية في البلد.

ولعل أكثر البرامج جلبا للشبهة هي تلك المرتبطة بالأنشطة السياسية والإعلامية والاجتماعية وحقوق الاقليات ، فالتمويل هنا ذو طابع سياسي، وله دلالته وقد يوظف في سياق الصراع الثقافي والحضاري وممارسة الضغوط السياسية والثقافية وقد يتعدى الأمر الى الطلب من الجهات المتلقية اتخاذ مواقف وإدانة أحداث تطرأ أو التنديد بقوانين أو سياسات لا تنسجم مع سياسات الدول المانحة ، كما لا يخفى على أحد استفادة الجهات الممولة من الدراسات الإحصائية ومؤشرات قياس الرأي لرسم سياسة الدولة المانحة عند تعاملها مع بلد المنظمات المتلقية للتمويل حيث تؤول جميع البيانات المتحصّلة لتصب في بنك معلومات المؤسسات المانحة والتي قد تمثل دولاً أو أحزاباً حاكمة، أو حتى اجهزة استخبارية.

تمويل سري..!!

ومما لا شك فيه أن سرية حسابات «منظمات المجتمع المدني» والتكتم الشديد على مواردها المالية، يزيدان من الشكوك في نواياها، حتى تنكشف من خلال ملابسات أحداث بعينها، وتتضح معها ملامح ميزانيتها، ولعل ابرز الملاحظات التي يمكن تسجيلها في هذا السياق سماح الحكومة لبعض مؤسسات التمويل الاجنبية بتقديم التمويل والدعم مباشرة الى مؤسسة المجتمع المدني التي تختارها ودون الحصول على موافقة مجلس الوزراء التي تفرضها أحكام قانون الجمعيات وقانون الشركات.

وجود هذا الاستثناء يدفع الى الاعتقاد بوجود تبرعات سرية، من دون إخبار الحكومة ،حيث حصلت عشرات الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني على منح وتبرعات من جهات أجنبية دون إذن حكومي ودون سلطة لاي جهة رقابية على تدقيق عمل ومصروفات تلك الجمعيات والمنظمات.

قواعد لازمة

وأمام هذه الحالة من الغموض لأوضاع تلك المنظمات المالية، يثور التساؤل الملح: هل يسمح لها بالتمويل من الخارج أم لا خصوصا ان بعض المنظمات تقدم مصلحة الجهة الممولة لها، كما أن الجهات الممولة عادة ما تبحث في مصلحة البلد الذي تنتمى إليها، بصرف النظر عن مصلحة البلد الذي توجه له تلك الأموال، رغم استخدام شعارات براقة ورنانة.

على الرغم مما يثار فان منظمات المجتمع المدني مفيدة وضرورة لا بد منها لتنسيق العلاقة بين الدولة والافراد، لذا ينبغى السماح لهذه المنظمات بالعمل في إطار من الحرية والشفافية، مع الخضوع لدرجة من الرقابة .

ووفقا لمطالعة قانونية لاحدى المنظمات الاهلية غير الحكومية فان تلقي التمويل الأجنبي من أكثر المسائل المتعلقة بعمل منظمات المجتمع المدني تعقيدا، فرغم ضرورة الإفصاح عن أي تمويل أجنبي أو محلي وأن يظهر هذا التمويل في ميزانية الجمعيات وأن يكون خاضعا للرقابة، فانه يجب أن لا تتسم إجراءات تلقي التمويل الأجنبي بالتعقيد الشديد أو الرفض دون بيان الأسباب وذلك لغايات خلق توازن بين حق الدولة في الرقابة والإشراف بصورة لا تؤدي الى إساءة استغلال التمويل وفي الوقت ذاته يحفظ حق الأفراد في ممارسة حقهم في تكوين الجمعيات والتي تعد الموارد أمرا حيويا لنشاطها وفاعليتها.

وتجدر الإشارة في هذا السياق الى ان مشروع القانون المعدل لقانون الجمعيات لعام 2016 نص على إجراءات تتعلق بتلقي التمويل الأجنبي، منها ضرورة تقدم الجمعية الراغبة في الحصول على تبرع او تمويل بطلب الى دائرة السجل يرفع الطلب الى مجلس الوزراء الذي يقرر بالموافقة على التمويل او الرفض، ولم ينص القانون على وجوب بيان اسباب الرفض .

وبعيدا عن جدلية قبول او رفض مسالة التمويل الاجنبي فانه لا بد من الاشارة الى حق الدولة في معرفة مصدر التمويل وغايته ومنع تربُح القائمين على مؤسسات المجتمع المدني منه.

رئيس مجلس الإدارة: د. يوسف عبد الله الشواربة - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل - المدير العام: د. حسين أحمد الطراونة