الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مصطلح المؤسسة الدينية

د. رحيل محمد غرايبة

السبت 7 كانون الثاني / يناير 2017.
عدد المقالات: 328

نحن نعيش مشكلة تتعلق بالفهم والثقافة المعاصرة لمعنى الدين ومعنى التدين، ويبدو أنها أصبحت معضلة تستعصي على الفهم والتوضيح، والسبب الجوهري في وجود هذه المشكلة في العصر الحاضر يعود إلى الفهم الغربي للدين الذي تكرّس في العصور الوسطى، ثم انتقل إلى العالم كله من خلال طريقة التعليم الغربي وإعادة صياغة العقل الإنساني وفق المنظومة الغربية وفلسفتهم للعلم والحياة والدين؛ التي تم فرضها علينا من حيث نشعر أو لا نشعر أحياناً.

نحن في العالم العربي والعالم والإسلامي على الجملة لا يوجد لدينا مصطلح «المؤسسة الدينية» ولم نعرف هذا المفهوم، ولم يتم تكريس مفهوم رجال الدين في حياتنا النظرية والعملية على مدار القرون المتتابعة، وقد خلا تاريخنا الحضاري مما يسمّى هيمنة شيوخ المسجد، أو الفقهاء أو العلماء، وإنما عرف تاريخنا العملي مذاهب فقهية ومدارس واتجاهات متعددة، في علوم الكلام والحديث والفقه والفلك واللغة والأدب والفلسفة، وكل ذلك في نطاق الاختلاف في الرأي نتيجة التفاعل مع المستجدات والقضايا الحياتية على كل الأصعدة وفي كل المجالات، ولم يكن هناك لدينا أي فهم يشير إلى احتكار فهم الدين أو الوصاية عليه لأي جهة أو لأي مذهب، أو مدرسة محددة لها منهجها في الفهم، رغم الصراع الذي نشأ بين مدرسة العقل ومدرسة النقل، أو مدرسة السلف ومدرسة الخلف، وربما نشأ حول هذا الصراع انقسامات واختلافات شابها بعض الحدّة أو بعض المواجهات التي تخللها تعسف السلطة أحياناً كما حدث في زمن الخلافة العباسية واعتناقهم لمذهب الاعتزال في قصة خلق القرآن وموقف الإمام أحمد بن حنبل وجمهرة من العلماء من هذه القضية.

ما أود توضيحه بعجالة أن مفهوم الإسلام لدينا عبارة عن مجموعة من المبادىء والقواعد العامة التي تتعلق بالعقيدة والايمان  والإجابة على الأسئلة الكبرى المتعلقة بالكون والإنسان والحياة، وما ينبى عليها من منظومة قيم حياتية واسعة تتناول الجوانب المختلفة للدور الإنساني في إعمار الكون ونشر الإصلاح وتحقيق مفهوم السعادة لبني البشر، وهذه المبادىء والأفكار والقيم ليست للإكراه، ولا للإجبار، وإنما هي للهداية عبر مخاطبة العقل والوجدان بالحوار والجدال بالتي هي أحسن.

حاول المسلمون تمثل هذه المثل وتطبيق هذه القواعد والمبادىء في مجتمعاتهم، وكانت لهم عدة تجارب وعدة مشاريع تستلهم هذه المنظومة النظرية في واقعهم العملي والتطبيقي عبر مراحل تاريخهم المتتابعة منذ زمن الراشدين إلى بني أمية ثم بني العباس ثم الأيوبيين والفاطميين والمماليك والعثمانيين وما بعدها، وكل مرحلة من هذه المراحل كانت تمثل جهداً بشرياً في محاولة تطبيق هذه القواعد والمبادىء بما لديهم من علم وفهم وخبرة بشرية وجهد إنساني، وكل مرحلة تختلف عن المراحل الأخرى من حيث قوة الالتزام بالمثل، ومن حيث النجاح والفشل في تحقيق التحضر والتقدم الإنساني في سلم النهوض الحضاري الإنساني الواسع في كل مجالات النشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتعليمي والتربوي والفني و.......، وكل من يحمل هذه المبادىء والمثل يسهم بما لديه من طاقة حسب تخصصه ومجاله وحسب قدراته، وقد أبدعوا في بناء مشاريعهم الحضارية والنهضوية، وتعرضوا لإخفاقات وهزائم أيضاً، لكنهم على الجملة استطاعوا الإسهام في الجهد الحضاري الإنساني العام، وأوجدوا فلسفة جديدة لها قواعدها ومبادؤها وقيمها وآثارها ووسائها وأدواتها، وهم مستعدون للحوار والتواصل مع كل حضارات العالم ومع كل فلسفات الأمم قديماً وحديثاً، من أجل التعاون في سبيل إسعاد البشرية.

وفي كل مراحل التاريخ الحضاري العربي والإسلامي، لم يكن هناك مؤسسة خاصة باسم الدين على الإطلاق، وإنما كان مؤسسة قضائية مسؤولة عن تطبيق الأحكام وفق الأحكام والشريعة القائمة، وهي تختص بمهمة الالتزام بالقانون الحاكم والمحكوم على السواء، ولم يتعد دورها هذا الاختصاص، وفي كل ما عدا ذلك مختصون وأهل ذكر في كل مجال على حدة، وكلهم ينبثقون من رؤية واحدة قائمة على معرفة الحكمة والبحث عن الصواب.

الأمة كلها بكل مكوناتها وشرائحها، وعلمائها في كل مجالات المعرفة، مسؤولة مسؤولية جماعية عن حفظ منظومة الأمة القيمية المستمدة من دينها وإسلامها العظيم، بعيداً عن منطق التسلط الديني والفهم الكهنوتي الغربي.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل