الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

امتحان التوجيهي

محمد حسن التل

الثلاثاء 2 تموز / يوليو 2013.
عدد المقالات: 371
امتحان التوجيهي
بين فشل التربية
وفساد المجتمع...
* محمد حسن التل

 

كان امتحان الثانوية العامة «التوجيهي» أحد العناوين الأردنية التي نفاخر بها العالم عربيا، وربما دوليا. وقد كانت حرمته لا تقل أبدًا عن حرمة الأمن الوطني للمملكة، وكان امتحانًا مهابًا يشكل جزءًا من شخصية الدولة الأردنية. وبعدما أصاب ما أصاب الادارات العامة لدينا من ضعف، وتفكك، وهلهلة، طال -للأسف الشديد- هذا الوضع المأساوي الامتحان الذي يحدد مصير الآلاف المؤلفة من أبنائنا وبناتنا....

تسريب أسئلة الثانوية العامة، أو الاعتداء على مراقبين في قاعات الامتحان، أو خارجها، كان في الماضي في الذهنية الأردنية من المستحيلات لأن الأردني كان يعلم أن هناك نظامًا عامًا يحفظ له أمنه على كل المستويات، وبالتالي كان الامتحان تحت الحماية الحقيقية للدولة لأنه كان يعكس هيبة الدولة، وسطوتها على من يخالف القانون، أو يتجاوز الخطوط الأمنية الحمراء...

رئيس الوزراء الدكتور عبدالله النسور المعروف بحزمه، وعزمه، أعلن منذ اليوم الأول لتسلمه مهام منصبه أن امتحان الثانوية العامة لا بد أن تعود له هيبته، وهذه رسالة واضحة لكل من يعنيه الأمر..... وليس المطلوب من الرئيس أن ينزل بنفسه ليجول على قاعات الامتحان، ويشرف على عملية تسليم الأسئلة إلى رؤساء القاعات بشخصه، ولكنها كانت رسالة من رأس السلطة التنفيذية إلى الجهات، والدوائر المعنية بأن تأخذ الأمر على محمل الجد، و تعيد الأمور إلى نصابها، وتعيد للذهنية الأردنية مهابة هذا الامتحان، وبالتالي تلقائيا تعيد جزءًا من مهابة الدولة في النفوس، ولكن، للأسف الشديد، فشلت كل الجهات المعنية في التقاط رسالة الرئيس و وقع المحظور، وأصبحنا في كل يوم من أيام الامتحان نسمع عن تسريبٍ للأسئلة، ونرى اعتداء على القاعات، ومن فيها من مراقبين. وقد فشلت وزارة التربية و التعليم بكل ما فيها من إمكانيات فشلاً ذريعًا في مهمتها إزاء حفظ أمن الامتحان وأصبحنا نقرأ، أو نسمع في اليوم الأول نفيًا لتسريب الأسئلة، وفي اليوم الثاني تعلن الوزارة عن تحويلها لمجموعات من وزارة التربية إلى الجهات المعنية للتحقيق معهم، حيث اعترفوا بخيانتهم للأمانة، وتسريبهم لأسئلة الامتحان بطرق اجرامية جديدة مبتكرة.

لا يستطيع عاقل أن يتصور أن الدولة الأردنية بكل ما فيها من امكانيات، وقدرات، وخبرات متراكمة انها باتت تعجز الآن عن حماية امتحان كنا نفاخر الدنيا به، وأن هذه الدولة فجأة وبدون مقدمات فقدت قدراتها على مهمة بسيطة كهذه المهمة، اللهم إلا إذا كانت الاشاعات التي تتردد في المجتمع الأردني، وهي أن كل ما يحدث من تشويه لصورة هذا الامتحان هو مقدمة مقصودة لإلغائه، وهنا نقول أيضا أنه إذا صدقت هذه الرواية فهي كارثة أخرى إذ أنه من المفروض أن الدولة التي تملك زمام قرارها تتخذ قراراتها مباشرة دون مواربة لأنها من المفترض أن تكون قد درست تلك القرارات، وخرجت بأفكار وحقائق تدعم هذا القرار أو ذاك.

إن ما حدث وما يحدث لامتحان الثانوية العامة في السنوات الأخيرة يشير بوضوح إلى اننا قد انحلت عندنا حلقات كثيرة في نظامنا العام، واننا نسير إلى المجهول على هذا المستوى في أداء المسؤول العام..

نقول.... ما ذنب الغالبية الساحقة من الطلبة الذين يقضون شهور السنة بكاملها وهم يواصلون الليل بالنهار في سنة التوجيهي الدراسية، ويأتي غيرهم فيقطف الثمرة قبل الامتحان بساعات بطرق إجرامية سببها فشل وزارة التربية في حماية هذا الامتحان، وتراخيها في تأدية واجبها.

وزير التربية والتعليم صرح قبل أيام بأنه لا نية لدى الوزارة بأن يقوم جهاز الأمن العام بتسليم الأسئلة إلى رؤساء القاعات، وكأنه بذلك ينفي تهمة، إذا كانت أجهزة الوزارة عجزت عن حماية أسئلة الامتحان فما المانع بأن يساعد جهاز الأمن العام في ضبط أمن الامتحان عن طريق الاشراف على نقل الأسئلة من المركز إلى الميدان، والغريب أنه قبل الامتحان بأسابيع تملأ وزارة التربية والتعليم علينا الدنيا بالتصريحات المتنوعة، والكثيرة حول إجراءاتها لحماية الامتحان، والطلبة، والمراقبين، وأنها لن تسمح بأي مساس بمصداقية الامتحان وهيبته، وفي اليوم الأول للامتحان ينهار كل شيء، وتدخل الهواتف الخلوية والسماعات المتطورة، وكل الوسائل التي تؤدي إلى النجاح الحرام لطلبة لم يقوموا بأي جهد يذكر خلال عام كامل، مقابل غالبية واصلت الليل بالنهار للظفر بالنجاح، وكل هذا بسبب عجز كامل للجهة المسؤولة عن الامتحان، وبالتالي بات هذا الامتحان الوطني الكبير بلا مصداقية.

إذا كانت الدولة الأردنية -كما قلنا- بكل تاريخها في الأداء المتميز المتراكم على كل المستويات، باتت تعجز عن حماية امتحان كامتحان الثانوية العامة، فإننا نكون -لا قدر الله تعالى- قد قطعنا أشواطاً متقدمة نحو انهيار تام للإدارات العامة لدينا، وإن العلاج المؤقت لم يعد يفي بالغرض.

كنا نردد «من جد وجد ومن سار على الدرب وصل» ونردد «من طلب العلا سهر الليالي» حالنا اليوم ينشد: «من جد خسر» حيث اصبح يجلس الجاد مع الكسول المهمل المتراخي على مقعد واحد في الجامعة، نتيجة تناقضات كثيرة ضربت نظامنا التعليمي، وسهر الليالي الطويلة لم يعد طلباً للعلا لكثير من شبابنا بل لطلب النشوة والكيف، ما دامت وزارة التربية بإهمالها، وضعفها، وعجزها تقدم له النجاح في الثانوية العامة على طب
ق من ذهب عبر كل وسائل الحرام التي يسلكها بسهولة نتيجة الادارة الرخوة للامور.

امتحان التوجيهي اليوم يبدو كضحية لفشل ادارة التربية والتعليم من جهة، وفساد المجتمع من جهة أخرى، لأن من يرضى على نفسه أن يحصل على أسئلة مسربة او يسعى للحصول عليها ليعطيها لابنه يكون بلا أخلاق ولا ضمير، وخائن لنفسه، ولا فرق بينه وبين أي لص وضيع.

وزير النقل الفرنسي قدم استقالته قبل سنوات قليلة بسبب انقلاب احد القطارات في جنوب فرنسا، واعتبر نفسه مسؤولا مباشرا عما حدث، فهل وصلت هذه القصة لوزير التربية والتعليم لدينا ؟!

التاريخ : 02-07-2013

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش