الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأمن الفكري

د. رحيل محمد غرايبة

الأحد 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
عدد المقالات: 306
مصطلح الأمن الفكري مصطلح جديد يجري استعماله واستخدامه في الوقت الحاضر في سياق المعالجات المبذولة على صعيد مواجهة موجة العنف والتطرف التي تجتاح العالم والمنطقة العربية على وجه الخصوص، مما جعل بعض المفكرين والباحثين إلى الاتجاه نحو جذور المشكلة الفكرية والثقافية، لأن حالات التطرف والعنف تزداد صلابة وقوة عندما تستند إلى مقولات فكرية وثقافية مختلفة، والأشد خطورة عندما تستند إلى آراء اعتقادية ودينية وأيدولوجية، مما يجعل وجهة النظر القائلة بضرورة تحقيق الأمن الفكري وجيهة وتستحق العناية والاهتمام من جميع الأطراف والجهات المختصة بهذا الموضوع، وهنا لا بد من توجيه كلمة شكر لفريق خبراء مؤسسة بيرغهوف ووزارة التعليم العالي التي استطاعت أن تدشن مؤتمراً في هذا السياق في البحر الميت يوم الجمعة 25/11/2016 وقد طلبوا مني إعداد ورقة بهذا الموضوع.
لا بد من انضاج هذا المصطلح وتحديد أهم مضامينه في البداية على طريق إدراجه قاموس المصطلحات المعاصرة، ومن أجل الاسهام في توحيد اللغة المتبادلة في هذا المجال، وهنا يمكن الاطلاع على بعض الجهود المبذولة على طريق تحديد المصطلح، فقد ورد في بعض الموسوعات المتخصصة بأن الأمن الفكري هو :
أن يعيش الناس في بلدانهم وأوطانهم ومجتمعاتهم آمنين مطمئنين على منظومة قيمهم الفكرية، وثقافتهم النوعية، ومكونات أصالتهم الحضارية.
وبعضهم عبّر عنها بصيغة قريبة بالقول: أن يعيش الفرد والمجتمع في طمأنينة على منظومتهم الفكرية التي تنظم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وامتلاك القدرة على مواجهة الأفكار الغريبة التي تهدد استقرارهم.
وما لا شك فيه أنه يتشكل لدى المجتمعات المستقرة مجموعة من الأفكار المتوارثة التي تنتقل من جيل إلى جيل، وتأخذ مع الزمن شكلاً متسقاً تقترب من المنظومة المترابطة التي تحظى بالاحترام من جهة، وتتعرض إلى النقد والتحليل والتطوير والتعديل والحذف والإضافة على مر الأزمان، وتصبح في نهاية المطاف سجلاً حضارياً فكرياً للمجتمعات والأمم والشعوب، تتشكل من خلالها هويتها وثقافتها وحضارتها التي تصبح محلاً للاعتزاز والفخر، وربما يعد هذا السجل الحضاري من أعظم الإنجازات المعنوية لديها، وبناءً على هذا الفهم لا بد من تحقيق «الأمن الفكري» اعتماداً على هذه النظرة التي تأخذ بحسبانها التوافقات الجمعية، بغض النظر عن مصادر هذا السجل ومرجعياته القيمية سواء كانت من الأديان أو الفلاسفة والحكماء والأدباء وأهل الفكر وأصحاب التجربة الإنسانية الفذة.
وعلى طريق تحقيق الأمن الفكري لا بد من التوافق على تحقيق الحرية، لأن الفكر لا ينمو ولا يترعرع إلّا في جو الحرية الحقيقية المطلقة التي تجعل العقل يقوم بوظيفته الأصلية بالتفكير والانطلاق والابداع والابتكار، ولذلك فإن الاستبداد وحكم الفرد الديكتاتوري المطلق يعد أهم معوق أمام الأمن الفكري، وهو العامل الأكثر أهمية في إذكاء جذوة العنف والتطرف التي تشتعل وتنمو وتكبر في ظل انغلاق آفاق الحوار والمشاركة.
الأمن الفكري يتحقق في الانفتاح على حضارات العالم، وفتح آفاق التواصل مع الأفكار، وامتلاك القدرة على الاستفادة من التنوع والتعددية وإدارة الاختلاف الحتمي بين الناس الذي يعد أحد نواميس الكون، ومن ثم لا يتحقق الأمن الفكري إلّا عندما نستطيع التخلص من التعصب بكل أشكاله مهما كانت بواعثه، دينية أو مذهبية أو عرقية أو جهوية، ولا بد من اعتبار معايير الكفاءة والأمانة والقوة العلمية والمعرفية على صعيد الفرز والاختيار، حتى يتحقق الشعور بالعدالة والمساواة أمام القانون .
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل