الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تتويج لمسار وليست استدارة

عريب الرنتاوي

الأحد 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
عدد المقالات: 2752
استقبلت الأوساط السياسية والإعلامية الموقف المصري الداعم لـ “الجيوش الوطنية” في كل من سوريا والعراق وليبيا، بمزيج من الدهشة والصدمة، لتنقسم المواقف منه، وفقاً لمرجعيات ومصالح القوى الصادرة عنها، فمنهم من رأى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، يتعين أن تُستتبع بخطوات أخرى، ومنهم من اعتبرها إمعاناً في الاقتراب من محور موسكو – طهران – دمشق، واستتباعاً، مزيد من الإمعان في الافتراق عن السعودية و”عرب الاعتدال” عموماً.
لا جديد صادماً في السياسة المصرية حيال هذه الجيوش والأنظمة التي تقف وراءها وتحركها ... القاهرة هي الحاضنة العربية الأبرز، للجنرال حفتر و” جيشه الوطني” ... والعلاقات المصرية – العراقية، لم تنقطع برغم القطيعة التي شابت هذه العلاقات بين بغداد وعواصم خليجية عديدة ... والقاهرة عموماً، انتهجت سياسة خاصة حيال الأزمة السورية، أقله منذ تولي الرئيس السيسي مقاليد الحكم في البلاد.
ويمكن القول، إن تصريحات السيسي الأخيرة، إنما جاءت تتويجاً واستمرارا لموقف مصري، متمايز عن مواقف الرياض وحلفائها الخليجيين، حيال جميع ملفات المنطقة وأزماتها، أو معظمها على الأقل، ولم تكن “ردة فعل مؤقتة” على موقف هناك أو إجراء هناك، والمؤكد أنها لم تكن انعطافة أو انقلاب في السياسة الخارجية.
القاهرة التي لا تحتفظ بعلاقات جيدة مع طهران، لم تضع إيران يوماً في صدارة لائحة أعداء الأمتين، العربية والإسلامية، وهي وإن “جاملت” الرياض في كثير من المناسبات، إلا أن لسان حالها، ظل ينتقد المبالغة في استعداء إيران، وتحويلها إلى “شيطان رجيم” يتحمل كافة أوزار المنطقة وشرورها ... ولقد رأينا درجة من العلاقات بين البلدين، لا تصل حد التطبيع الكامل ولا تذهب حد العداوة والاحتراب.
والقاهرة التي انضمت رسمياً للتحالف العربي بقيادة السعودية في حربها على اليمن، لم تفعل ما كان يؤمل منها خليجياً في دعم هذا التحالف وإسناد حلفائه اليمنيين المحليين ... أصدرت مواقف سياسية وإعلامية مؤيدة للتحالف، ولم تنخرط في أعماله الميدانية والحربية، حتى إنها لطالما حذرت في “الغرف المغلقة” من مغبة الانزلاق في المستنقع اليمني، الذي سبق لها وأن اكتوت بناره في ستينيات القرن الفائت.
والقاهرة لم تأخذ المنحى الذي اتخذته السياسات الخليجية حيال العراق، ولم تأخذ بنظرية “الحكومة الدمية” في بغداد، التي تحركها طهران عن بعد وبالريموت كونترول .... حافظت على علاقة نشطة مع العراق، وتبادلت معه الزيارات والوفود رفيعة المستوى، ولم تنخرط رسمياً أو إعلامية في لعبة “شيطنة” الجيش والأمن العراقيين، وتصويرهما كميليشيات مذهبية جامحة، تنفذ أجندات خارجية.
أما في سوريا، ومنذ أن أعلن الرئيس محمد مرسي الجهاد ضد نظام الأسد، وسط حشد من قادة الإخوان والسلفية الجهادية في قلب القاهرة (يقال أنها الشعرة التي قصمت ظهر بعير الإخوان ومرسي ونظام حكمهم)، منذ ذلك التاريخ، والقاهرة تبدي تحفظاً معلناً ومضمراً على الأدوار التي اضطلعت بها كل من المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، ودعمها لمجاميع مسلحة، تراوح ما بين الإخوان والسلفية الجهادية بمسمياتها المختلفة ... وحين اتصل الأمر بالمعارضة السورية، حرصت القاهرة على انتقاء حلفائها وأصدقائها بدقة، وجميعهم من خارج الأطر المسلحة والجماعات الدينية، ومن الداعين لحل سياسي للأزمة السورية.
والقاهرة لم تتورط يوماً بمشاريع تدمير الجيش السوري ، ولم تنخرط في جهود إسقاط النظام، وأبدت تحفظاً على المعارضات المسلحة، أكثر من تحفظاتها على النظام في دمشق ... وهي تؤمن بأن خصوم الأسد في سوريا، هم من الطبيعة ذاتها، لخصوم السيسي في مصر، بالذات حين يتصل الأمر بالجماعات المسلحة والعنيفة ... أما حكاية حقوق الانسان والديمقراطية، فليست في طليعة اهتمامات نظام السيسي، وهي كذلك ليست من ضمن قائمة اهتمامات الدول الثلاث المذكورة، فلا حاجة للمزايدات والمناقصات في هذا الملف.
لسوريا مكانة تاريخية – استراتيجية في حسابات الأمن القومي المصري، بصرف النظر عن تعاقب الحقب والأنظمة والحكومات في البلدين ... والقاهرة تدرك أن “الإرهاب” لا حدود له ولا هوية ولا جنسية، وان استفحاله في بلد، سيمكنه في البلدان الأخرى، وهي تجد بحسابات نظرية الأمن القومي، أن الجيوش الليبية والعراقية والسورية، إنما تخوض معركتها هي بالذات، ولكن على ساحات مجاورة وبعيدة، وهي تعرف أن سقوط هذه الجيوش، سيفتح عليها أبواب جهنم.
لن تصل القاهرة في علاقاتها مع دمشق، إلى حد إرسال الجيوش والقوات للقتال على الأرض السورية، هي لم تفعل ذلك في ليبيا المجاورة، واكتفت بتوجيه بعض الضربات الجوية، لكن أبوابها ستظل مشرّعة أمام مختلف أشكال ومستويات التنسيق والتعاون الأمني والاستخباري، وليس مستبعداً أن تعزز مصر توجهها هذا، بتطبيع أوسع للعلاقات، وتبادل للسفراء والسفارات والزيارات رفيعة المستوى، سياسياً، بعد أن ظلت محصورة في الإطار الأمني حتى الآن.
هنا، وفي هذه الملفات بالذات، تبدو اعتبارات الأمن القومي، أكثر أهمية من صفقة مساعدات هنا أو هبة نفطية هناك، مع أن المساعدات والهبات، استنفدت أغراضها، ولم تعد القاهرة ترتجي المزيد منها، في ضوء ما يعتصر الدول المصدرة للنفط والمساعدات من أزمات اقتصادية ومالية ... القاهرة تشعر أنها تتحرر تدريجياً من وطأة هذا العامل في حسابات سياساتها الخارجية وأمنها القومي، وسنرى المزيد من الخطوات في هذا الاتجاه، وربما بأسرع مما نتوقع ويتوقع كثيرون.
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل