الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«فتوى شرعية» أم «أمر عمليات»؟!

عريب الرنتاوي

الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
عدد المقالات: 2857
لم تُبتذل الفتوى على يد أحدٍ من العلماء، مثلما ابتذلت على يدي الشيخ يوسف القرضاوي ... ولم يتحول مفتٍ يوماً إلى ذراع لوزارة خارجية دولة، مثلما انتهى إليه الحال بالقرضاوي في علاقاته بدولة قطر ... ولم تتقلب الفتاوى بين الشيء ونقيضه كما حصل مع فتاوى رئيس رابطة العلماء المسلمين ... ولم تستخدم الفتوى كـ “سلاح تكتيكي” في حروب المذاهب والطوائف والمحاور والأقوام، مثلما استخدمت فتاوى الشيخ التسعيني.
أمس، أصدر الرجل فتوى جديدة، استقبلتها صحف إسرائيل ووسائل إعلامها بالترحيب والاهتمام والترويج، إذ قال بـ “عدم جواز” العمليات الانتحارية في فلسطين، وهو الذي أفتى من قبل، بجوازها، بل وبضرورتها، بحجة أن الفلسطينيين، باتوا اليوم يتوفرون على وسائل وأدوات كفاحية، لم تكن متوفرة لهم من قبل ... متى هبط الإفتاء إلى هذا المستوى من التفصيل، في تحريم وتحليل أدوات الكفاح ووسائله وأساليبه؟ ... وكيف للمفتي أن يتحول إلى جنرال عسكري/ أمني، أو إلى موظف في وزارة الخارجية وقسم الدبلوماسية العامة؟ ... هل يعرف الرجل المقيم على مبعدة ألوف الكيلومترات أفضل مما يعرفه الفلسطينيون القابعون تحت نير الاحتلال والاستيطان والعدوان ليطلع عليه بين يوم وآخر بالشيء ونقيضه؟
لقد عرف عن القرضاوي قدرته الفائقة على تطويع تحويل الإفتاء إلى “سلاح” في أيدي حلفائه و”المحور” الذي ينتمي إليه ويرعاه، بعد أن ارتضى لنفسه أن يكون ذراعاً من أذرع السياسة الخارجية للدولة الراعية والحاضنة ... ولهذا السبب بالذات، لم يكن مستغرباً أن تصدر عنه الفتوى ونقيضها، وفي غضون فترات ليست متباعدة زمنياً أو مكانياً، انسجاماً مع تبدل الأولويات وتغير التكتيكات... لقد حوّل الفتوى إلى “تكتيك” سياسي/ أمني، يمكن أن يوظف في خدمة أجندات معروفة، وغالباً بما يعزز حالة الانقسام والاصطراع في المنطقة، ويعزز روح التباعد والتنابذ بين دولها ومكوناتها المختلفة ... لكأننا أمام وظيفة جديدة للمفتي، تقوم على الحشد والتعبئة والتجييش المذهبي، وحسابات “الجيوبوليتك” للدول الراعية والحاضنة.
أفتى بحرمة العمليات الانتحارية وجوازها ... جادل من موقعه على رأس تيار سياسي فكري بالضد من التدخل العسكري في العراق، ليعود لحمل لقب “مفتي النيتو” عندما استحث دوله وقادته على التدخل العسكري في سوريا ... أفتى بتكفير حكام، سبق له أن كان ضيفاً مدللاً على موائدهم وفي خيامهم، من القذافي حتى الأسد الابن ... أفتى بجواز قتل حكام وتفكيك جيوش واستهداف الأبرياء إن اقتضت الضرورة، وحرض جنود بلاد “العرب أوطاني” على الخروج على جيوشهم وليس على حكامهم فحسب ... شروع زرع القواعد الأجنبية في بلادنا ... فأي خراب مقيم، يسير في ركاب فتاوى من هذا النوع؟
ثم، ما هي المستجدات التي طرأت على المشهد الفلسطيني لتصبح العمليات الانتحارية غير جائزة ... هل يتحدث الشيخ عن المقاومة الشعبية وحملات المقاطعة ورفض التطبيع أم عن الملاحقة السياسية والحقوقية لإسرائيل في المحافل الدولية؟ ... هل يقصد الشيخ أن امتلاك بعض الفصائل لصواريخ محلية الصنع، قد قلبت موازين القوى مع إسرائيل وأعفت الفلسطينيين من “واجب الانتحار الشرعي” لضرب أعدائهم ... عن أية ظروف يتحدث الشيخ، وما الذي أدراه بها، أو بالأحرى، من الذي أوحى له بذلك، وأحسب أن الرجل في فتواه الأولى والثانية بخصوص العمليات الانتحارية في فلسطين، كان مسيراً ولم يكن مخيراً.
لماذا الآن، ومن دون مقدمات أو سابق إنذار، تصبح العمليات الانتحارية غير جائزة في فلسطين؟ ... في ظني أنها فتوى سياسية في امتياز، وتنتمي لمحور إقليمي معروف، بدأ العمل على “تأهيل” حماس للتحدث باسم الشعب الفلسطيني، بديلاً عن فتح ومنظمة التحرير، أو بالشراكة “الفوقية” معهما؟
في ظني، وليس كل الظن إثم، أن الشيخ يقدم سُلماً لحماس، عملاً بتوجه معين، يسعى في تعويم جماعة الإخوان المسلمين عموماً، بعد أن ضاقت الأرض العربية عليها بما رحبت، وربما استعداداً لمواجهة الأصعب والأخطر بخصوص مستقبل هذه الحركات، القادم مع مجيء دونالد ترامب وإدارته، وهي الإدارة المحمّلة بمشاريع وأفكار تقوم على استعداء حركات الإسلام السياسي، جميع حركات الإسلام السياسي من دون تمييز، فهل بدأت محاولة التكيف مع اتجاه هبوب الريح الجديد من واشنطن، بدءا من حماس، ومن خلال الفتوى التي يراد أن تكون “طوق نجاة” لتعويم الحركة ومنع غرقها في لجة “التسونامي” القادم من واشنطن.
هل للأمر ارتباط بالصراع الإقليمي الدائر على “الورقة الفلسطينية” وترتيبات مرحلة “ما بعد عباس”، كأن يجري تأهيل حماس لتكون شريكاً لتيار في فتح إن تعذر مع فتح كلها، من أجل أن تلعب دوراً مهماً في المرحلة القادمة، وفي سياق المواجهة المفتوحة مع محور إقليمي آخر، من أجل خلق بدائل مناسبة لقيادة المرحلة المقبلة؟
إن صحت هذه التخمينات والظنون، فهل نقرأ فتوى القرضاوي بأدوات شرعية كما يفعل الفقهاء، أم بما لدينا من معلومات وتقديرات تتحدث عن جهد محموم، لم يبدأ اليوم، تقوده أطراف المحور الذي يرعى القرضاوي ويتبناه، لفرض إملاءاتها على الفلسطينيين، تماماً مثلما يفعل المحور المقابل، الذي يسعى بدوره إلى فرض خياراته ورموزه وإملاءاته على الفلسطينيين ... أليس من حقنا أن نقرأ في الأمر، أبعاده السياسية/ الأمنية المتعلقة بصراع المحاور وحرب القيادة والنفوذ بين عواصم عربية وإقليمية متنابذة، سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار انحياز الشيخ المطلق لمحور بعينه وعواصم بعينها، وهو انحياز فيه من السفور ما يكفي لجعل الشيخ سبباً في تعميق انقسام الأمة، لا عامل تجميع وتوحيد لها.
هل هي فتوى شرعية حقاً، أم أننا بصدد “أمر عمليات” أو توجيه سياسي/ أمني، صدر عن دوائر القرار العربي - الإقليمي، وجرى استدعاء “الشيخ الجليل” على عجل لتظهيره على لسانه، وليتخذ شكل الفتوى الشرعية؟ ... سؤال برسم الأسابيع والأشهر القادمة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش