الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حكاية موت قطار

رشاد ابو داود

الأربعاء 24 شباط / فبراير 2016.
عدد المقالات: 88



في اوائل السبعينيات حيث لا جامعات في الاردن سوى الجامعة الاردنية كان الطلاب يتوجهون للدراسة اما الى دمشق وحلب او الى القاهرة و الاسكندرية ، ومن كان ابوه مقتدرا ،الى ايطاليا واسبانيا ويوغسلافيا ، اما من كان مقتدرا جدا او «مدعوماً» فإلى لندن او باريس او برلين.اصحاب الميول والنشاطات السياسية كان الاتحاد السوفييتي ودول اوروبا الشرقية مفتوحة لابتعاثهم من قبل المنظمات والاحزاب «اليسارية».نحن اللا سياسيين واللا مدعومين ذهبنا حوالي مائتي طالب من الزرقاء سنة حصولنا على التوجيهي الى دمشق فهي «فركة قطار» ، مصروف الطالب كان ثلاثة عشر ديناراً في الشهر بما فيها السكن والاكل و الشرب والملبس والمواصلات والذهاب الى سينما «السفراء» او «الكندي» او «الزهراء» مرة او مرتين اسبوعياً.

كانت وسيلة ذهابنا القطار من محطة عمي ابو زهير ، هكذا كنا نسميها نسبة الى مدير المحطة رحمه الله .الاجرة كانت اثنين وثلاثين قرشا ،بها تتمتع برؤية سهول بلادك العربية التي كانت ذات تاريخ مخزن قمح العالم، صحيح ان المقاعد كانت من خشب و»خضخضة» القطار العجوزتخلخل عظامنا لكننا كنا ننسى التعب امام مشهد التاريخ وهو ملقى كجثة على ما تبقى من «الخط الحديدي الحجازي « الذي انشىء عام 1900 من دمشق ووصل عمان 1902 وفي 1908 وصل أول قطار إلى المدينة المنورة  حيث المسافة بين دمشق والمدينة 1320 كم منها 420 تمر عبرالأردن .واصبح بامكان الحجاج من الشام وآسيا والأناضول قطع المسافة من دمشق إلى المدينة المنورة في خمسة أيام فقط بدلاً من أربعين يوماً.

كان  الخط ينطلق من دمشق ويتفرع من بصرى جنوب سورية إلى خطين أحدهما يكمل المسير إلى الجنوب نحو الأردن، أما الآخر فكان يتجه غرباً باتجاه فلسطين. وتعد نابلس وحيفا وعكا أهم محطات الوقوف في فلسطين، ويتفرع من حيفا خط يربط الأخيرة بمصر، وهذا هو فرع فلسطين.وكان مسار خط الحج ينطلق من مدينة دمشق ويعبر سهل حوران ويمر بالمزيريب وعدد من المناطق جنوب سورية وصولاً إلى مدينة درعا ثم إلى الأردن حيث يمر بمدن المفرق والزرقاء وعمّان ومعان على التوالي، ويكمل سيره جنوباً إلى ان يدخل أراضي الحجاز حيث ينتهي بالمدينة المنورة.

استمرت سكة حديد الحجاز تعمل بين دمشق والمدينة المنورة ما يقرب من تسع سنوات استفاد من خلالها الحجاج والتجار، وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى ظهرت أهمية الخط وخطورته العسكرية على بريطانيا، فعندما تراجعت القوات العثمانية أمام الحملات البريطانية، كان الخط الحجازي عاملاً هامًا في ثبات العثمانيين نحو عامين في وجه القوات البريطانية المتفوقة في جنوب سورية .

منذ ذلك الحين لم تفلح محاولات اعادة الحياة الى الخط .و...مات ! لكن جثته ظلت باقية كما كافة محاولات ربط الاقطار العربية ببعضها عبر اقل وسيلة تكلفة في التنقل بالعالم .ففي ادراج الجامعة العربية ثمة ملف علاه الغبار ،غبار عشرات السنين ، يحتوي دراسات وارقاما وابحاثا كلها ذات نتائج ايجابية وتوصي بتنفيذ المشروع .مشروع سكة حديد تربط الدول العربية لكن ما ان تنتهي الاجتماعات حتى يغلق الملف ،يعاد الى الدرج .يعود الوزراء الى بلادهم ويعود العرب الى ضياعهم .وما زالوا، طبعا، من ضياع الى ضياع الى اختفاء فيما العالم يسير على جناح طائرات وعجلات القطارات .فبإمكانك ان تنتقل بين دول اوروبا وداخل مدنها بالقطار او بابنه المدلل المترو. ومؤخرا تم تدشين  أطول سكة حديد في العالم بين الصين وأوروبا لتخلق فرصة للتجارة المتبادلة بين الجانبين.وسوف يشكل هذا الممر السريع فرصة لنقل البضائع أسرع من طريق البحر،وذلك تلبية للطلب الصيني على البضائع الدولية. ويصل مدريد بالشاطئ الشرقي من الصين.

مضى مائة عام على موت قطار الخط الحديدي الحجازي وعلى تقسيم سايكس بيكو ( 1916-2016) للوطن العربي.وها هو تقسيم المقسم يجري عبر  (كيري-لافروف) فيما نحن العرب ندور حول جثثنا وخيباتنا القاتلة !

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش