الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لماذا لم نعد نشاهد كلمة "النهاية" في ختام العرض السينمائي؟ أجمل النهايات في أجمل الأفلام

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 مـساءً
لماذا لم نعد نشاهد كلمة "النهاية" في ختام العرض السينمائي؟ أجمل النهايات في أجمل الأفلام

 

 
أجمل النهايات هي تلك التي لا تفضي إلى خاتمة بل تحمل في طياتها الكثير من التأويل ، وتثير التداعيات ، وتبقي النهاية مفتوحة على ما يستجد في الآفاق ، فمنطق الحياة يتنافى مع وجود خاتمة ما ، إذ ثمة استمرارية ، وثمة دائما ما سوف يلي طالما ثمة نبض في الكون. وفي السينما تتجلى أزمة الخاتمة عندما يصبح على المخرج أن يحدد نهاية لفيلمه ، وتكون هذه النهاية بمثابة شهادة بحق المخرج ، فإن أبدعها أعطى زخما إبداعياً للفيلم ، وإن أخفق بها أفسد الفيلم كله. فمن السطحي جداً ، على سبيل المثال أن يختتم فيلم يعالج قضايا الخير والشر مثلا بنصرة أحدهما على الآخر ، ذلك أن الخير سيظل موجودا مثلما أن الشر سيظل موجوداً أيضا. ومن الصعب أن تختتم العلاقة العاطفية بخاتمة سعيدة مثلا ، ذلك أن العلاقة تبدأ فعلاً بعد أن يصل الحبيبان إلى بعضهما البعض ، ويكون لقاؤهما تحت سقف واحد هو بداية الحياة التي تزخر بالكثير من التفاصيل ، فلا أحد يمكنه أن يتنبأ بالسعادة سلفاً ، ولا أحد بمعزل عن تقلبات الزمن.

من أذكى المخرجين على مستوى العالم الذي كان يعتني بتفاصيل فيلمه ، ويلخص فكرته في كيفية انتهاء الفيلم ، هو المخرج العالمي الراحل فيلليني ، وفيلمه"الطريق"من الأفلام التي تدرس في كيفية الاعتناء بالتفاصيل ، وكيف يمكن أن يكون الفيلم شريحة مجتزأة من الحياة وليس بمعزل عن الحياة ، وقد أختار فيلليني لهذا الفيلم أن يختمه بمشهد للبطل (انطوني كوين) وهو هائم على وجهه ، بعد أن أدرك متأخراً أنه يحب الفتاة التي ظل يظنها وهي قربه أنها مجرد متاع له في الطريق. وعربيا يعد المخرج الراحل عاطف الطيب من أذكى المخرجين في عنايته بتفاصيل فيلمه والوصول به إلى بر أمان عبر خاتمة منطقية تبقي الحال على ما هو عليه ، ولا تجامل أو تجمّل أحداً ، وفيلمه "البريء" مدرسة في هذا السياق حين اختار له أن ينتهي بمشهد للبطل (احمد زكي) الجندي المغلوب على أمره وهو على برج المراقبة ويعزف لحناً حزيناً بعد أن تكشف له أن مهمته في الجيش ليست محاربة أعداء الوطن ، بل قمع المخلصين للوطن وأبنائه الغيورين.

ولهذه الخاتمة قصة فقد قيل أن عاطف الطيب أختار بداية للنهاية مشهداً للجندي وهو يصوب سلاحه نحو قادته في الجيش اعتراضا على الممارسات التي تقترف بحق المناضلين السياسيين ، غير أن الرقابة رفضت هذه النهاية ، فلجأ الطيب إلى النهاية التي أعلنت في الفيلم ، إذ بدا مشهد البطل وهو يعزف على الناي بمثابة إعلان تمرده على الوضع العام.

من خلال تجربة عاطف الطيب في فيلم "البريء" وأفلام أخرى مشابهة نلاحظ أن الخاتمة ليست دائما في يد المخرج ، إذ ثمة اعتبارات تجعل المخرج يرضخ للأمر الواقع ويقدم خاتمة لا تعبر عن رأيه الشخصي ، وتتعدد مثل هذه الاعتبارات منها ما هو متعلق برؤية المخرج آو بالأحرى مستواه الإبداعي ، ومنها ما يتعلق بأسباب سياسية ، وأخرى إنتاجية ، غير أن أخطر تلك الاعتبارات هي الاجتماعية ، أو الرضوخ للعمل على أرضية ما يريده الجمهور ، فهنا يرضخ المخرج إلى النهاية التي يريدها المشاهد حتى لو جاءت على حساب قيمة الفيلم الفنية وافسدت فكرته.

أستشهد على هذا الأمر باضطرار مخرج فيلم "تايتنك" ، الحائز على أكثر من جائزة أوسكار ، أن يضيف إلى خاتمة فيلمه مشاهد للممثلين وهم بكامل قيافتهم ويبتسمون أمام الكاميرا وكأن لسان حالهم يقول "ا نحن أحياء أصحاء وما شاهدتموه كان تمثيلاً في تمثيل" حيث كان الفيلم قد انتهى نهاية مأساوية بغرق السفينة "تايتنك" ومقتل معظم من عليها ، والأهم من ذلك مقتل "جاك" بطل الفيلم متجمداً في مياه البحر وهو يحاول جاهداً إنقاذ حياة "روز" التي ماتت في ختام الفيلم على فراشها وبين أحفادها تنفيذاً لوصية جاك حين دعاها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة لأن تعيش حياة هادئة وتموت بسلام. وقد أضفت هذه الوصية بعداً رومانسياً إضافيا على الفيلم مما أسهم في الهاب مشاعر المشاهدين.

لقد أدى هذا المشهد المقحم إلى إفساد فكرة الفيلم ، فبدل أن نشعر بالحسرة على سفينة ضخمة غرقت في قاع المحيط ، ومات غرقاً أغلب من عليها اضطر المخرج أن يراعي مشاعر بعض المراهقين والتخفيف عنهم من وقع صدمة النهاية المأساوية التي انتهت إليها السفينة تايتنك ، فوجدنا الجمهور يصفق في القاعات بعد نهاية الفيلم ، بدل أن يبكي المأساة التي وقعت فعلاً.

إن مثل هذه الخاتمة تذكرنا بميل صناع السينما إلى النهايات السعيدة في الأفلام ، حتى لو كانت حيثيات الفيلم لا تنسجم ولا تفضي بالضرورة إلى تلك النهايات ، ومبعث هذا الحرص في أغلبه يرتبط باعتبارات تجارية بحتة ، لاعتقاد صناع السينما أن الجمهور بفطرته يهوى النهايات السعيدة ويتوقعها ، وإذا خابت توقعاته فقد يتأثر "شباك التذاكر" ، فنجد صناع السينما يستميتون في تحقيق هذا التوقع تلبية للربح الوفير حتى لو أدى ذلك إلى الخروج عن النص ، والتنافي مع المنطق ، ومجافاة الحقيقة ، وإفساد الفكرة ، وتبديد المضمون.

كثيراً ما نشاهد أفلاماً واضح أن نهايتها ليست سعيدة على الإطلاق ، وفجأة يحدث الانقلاب بصورة صحوة ضمير ، أو ببروز حلّ لم يكن في الحسبان ليحل العقد والمشاكل وتعود المياه إلى مجاريها ، ومثل هذه الأفلام. وعلى الرغم من الراحة الآنية التي قد يشعر بها المشاهد ، إلا أن تأثيرها ما يلبث أن يزول ذلك أن النهاية السعيدة تكون في هذه الحالة على حساب إفساد الفكرة برمتها ، فتخيلوا ، مثلا ، عندما تقدم لنا أفلام عن عالم المافيا في المجتمعات الغربية وكيف أنها تتحكم في العباد ، فلو ظلت مثل هذه الأفلام في سياقها لتولدت حقائق لدى المشاهدين عما تمثله تلك العصابات وعن الأدوار المرعبة التي تقوم بها في الخفاء ، ولكن عندما يتمكن البطل من التغلب على هذه العصابات ، فإن النتيجة تكون تبسيط وقع وتأثير الدور الذي تقوم به تلك العصابات وبالتالي تزييف حقائق موجودة فعلاً على أرض الواقع.

من الأفلام المصرية التي انسجمت مع حيثياتها وجاءت نهاياتها منسجمة مع تلك الحيثيات فيلم "الكيف" حيث يتورط شقيقان (محمود عبدالعزيز ويحيى الفخراني) مع عصابة مخدرات وتكون النتيجة إدمان الاثنين وفقدان أحدهما عقله. وكذلك فيلم "العار" حين يكتشف الأشقاء الثلاثة (نور الشريف ، حسين فهمي ، محمود عبدالعزيز) بعد وفاة والدهم رجل الدين ، أنه كان تاجر مخدرات وان مستقبلهم المالي يقف على إتمام الصفقة التي حالت وفاة الوالد دون إتمامها ، وتأتي النهاية أيضاً مقنعة ومنسجمة مع الحيثيات ، وذلك عندما يخفق الأشقاء الثلاثة في إتمام الصفقة. ومن الأفلام الحديثة نستشهد بفيلم المخرج اسامة فوزي "بحب السيما" عندما أنهى المخرج الفيلم بمشهد لطفل في العاشرة من عمره وابتسامته قد امتدت على الشاشة وكأن الطفل يمد لسانه ساخراً من كل ما يحيط به.

في المقابل نجد فيلماً مثل "الإرهابي" لـ عادل أمام يقدم نهاية غير منسجمة مع حيثيات الفيلم ، حيث نتعرف من المجريات على شاب متزمت ، متعصب ، يقتل السياح بدم بارد ، وها هو في المدينة لقتل أستاذ جامعي رداً على مقالاته وآرائه الجريئة التي يدعو فيها إلى التحرر والأخذ بالرأي والرأي الآخر ، وتأتي نهاية الفيلم غير منسجمة مع هذه الحيثيات ، وذلك عندما يتعاطف الجمهور مع الشاب المتزمت ، بدل أن يدينه ، وذلك حين يخرج الفيلم عن سياقه ويظهر الشاب أرهف من أن يكون بذاك التزمت ، فها هو يقع فـي حب الفتاة (شيرين) التي التجأ إلى بيت أسرتها هروباً من الشرطة.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة : إذا كان الشاب بهذه الرهافة فكيف نبرر القسوة التي كفلت له أن يقتل الأبرياء بأعصاب باردة. والأمثلة كثيرة على الأفلام التي تفسدها النهاية إذ يبدو الأمر وكأنهم يضحكون علينا،

خلاصة القول ، إن أجمل النهايات هي تلك النهايات المفتوحة التي لا تنطوي على نقطة في نهاية السطر بل أنها تبشر ببداية من نوع ما. وقد أدرك صناع السينما ذلك شكلياً ، إذ نلاحظ أنه قد تم تجاهل كلمة "النهاية" بالعربية و"The End"بالإنجليزية التي كانت مألوفة في جميع الأفلام القديمة التي كانت تعرض على شاشة السينما ، في محاولة من المخرج لتنبيه المشاهدين أن الفيلم قد انتهى ، وإذا كانت هذه خطوة في الطريق الصحيح ، فأننا نحتاج إلى خطوات لندرك أنه لا يوجد نهاية بالمعنى الفعلي للفيلم السينمائي ، وأن أجمل النهايات هي تلك المفتوحة.



ہ ناقد سينمائي أردني

Date : 23-11-2007

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل