الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عينا ريتا. والبندقية

حلمي الأسمر

الأحد 28 شباط / فبراير 2016.
عدد المقالات: 2483



 -1-

منذ سنوات، كتبت عن طاهر وريتا، وقصة حبهما الغريبة التي أثارت في حينها ضجة إعلامية كبيرة، طاهر مسلماني رأى وجه ريتا على فيسبوك، فأغرم بها. ومن هنا بدأت قصة حبّ لم تفرّقها الحواجز، صحيح أنّهما فلسطينيان، إلا أنّها إعلامية تقيم في غزة، وهو مخرج يقيم في كفر قرع إحدى قرى فلسطين الـ 48. اللقاء في الضفة الغربية لعقد القران كان أوّل الخيارات المطروحة. لكنّ الاحتلال أبى منحهما التصريح. الخيار الثاني كان مصر. أيضاً، تعثّر حظهما بسبب تأجيل مواعيد السفر إلى خارج غزة. حينها ساد الإحباط. لكنّ طاهر كان يعدّ لمغامرة للوصول إلى ريتا، لم يخبر أحداً بها. ذات يوم تتلقّى ريتا اتصالاً من طاهر:  ريتا أنا في منطقة النصر  في غزة. لم تصدّق ما تسمعه. انطلقت نحو المكان غير مصدّقة أنّ طاهر أتى إلى غزة عبر الأنفاق. وبعد ثلاثة أيام تحديداً، عقدا قرانهما. ثم غادر طاهر غزة عبر الأنفاق. لكن عند معبر طابا، ألقت قوات الاحتلال القبض عليه متهمةً إياه بالتنسيق مع  حماس !. احتجزته 23 يوماً ثم أفلتته حين ضبطت وثيقة زاوجه بريتا، بينما ظلّت هي أسيرة لدى شرطة الاحتلال. ليس هذا فقط، بل حكم على طاهر بالإقامة الجبرية في محل إقامته. رغم كل هذا، قال طاهر حينها: «ربما بعد عام واحد فقط، سأكون أنا وريتا معاً. قولوا إن شاء الله» .. كان هذا في العام 2011، ولم اعرف منذ ذلك الحين ماذا حل بطاهر وريتا، لا أدري على وجه التحديد، ما الذي ذكرني بطاهر وريتا، ربما قصيدة درويش التي تغنت بريتا، بمحض الصدفة/ كانت ريتا ابنة غزة، تعيش الحكاية ذاتها: بين ريتا وعيوني.. بندقية، والذي يعرف ريتا، ينحني، ويصلي لإله في العيون العسلية،... وأنا قبَّلت ريتا عندما كانت صغيرة، وأنا أذكر كيف التصقت بي، وغطت ساعدي أحلى ضفيرة، وأنا أذكر ريتا مثلما يذكر عصفورٌ غديره، آه.. ريتا بيننا مليون عصفور وصورة، ومواعيد كثيرة أطلقت ناراً عليها.. بندقية!

طاهر تحدى البندقية، وسافر مبحرا في العيون العسلية، ولكن عبر أنفاق غزة، أيام كان ثمة أنفاق، ولا ندري ما حل بتلك الملحمة الغرامية، فمن كان لديه أخبار عن ريتا، وطاهر، ليته يزودنا بها!

-2-

الاحتلال هو ما منع لقاء طاهر وريتا، لكن ثمة احتلالات من نوع آخر، تمنع كل «الطاهرين» و «الريتاوات» من احتضان بعضهما البعض، والعيش كبقية خلق الله، في عش آمن، بدون اسلاك شائكة، وضعتها قيود المجتمع، وعقليات متحجرة، تتسبب بحرمان كل طاهر وكل ريتا، من أن يلتقيا، بيسر وسهولة، ويكونا ملاذهما الأسري الآمن!

كيف تصدق أن فتى أو فتاة، على مشارف العقد الرابع من عمرهما، وهما يتوقان إلى مجرد «حضن» ينعمان فيه بالدفء والسكينة، فقط لأن شروط الزواج القاهرة غير متيسرة؟

نفهم أن يحول الاحتلال، بجبروته ووحشيته، وذهنية الإجرام التي تسيطر عليه، بين ريتا وطاهر، آنذاك، ولكن كيف نفهم أن نقيم في مجتمعنا «احتلالات» من نوع آخر، تبني سدودا عالية، بين آدم وحواء، فيمنعانهما من أن يعيشا حياتهما الطبيعية، وينجبان «قرودا» صغيرة «تنغص» عليهما حياتهما، كما هي العادة، بل إن الطبيعة السوية، حتى في الأدغال، لم تفعل ما يفعله الآباء والأمهات، وقوانين المجتمع الظالمة، بأبنائهم وبناتهم، هل سمعتم عن سنونو مُنع عن الاقتران بسنونته؟ أو حتى حصان عن الاقتران بمهرته؟

قصة ريتا وطاهر، هي قصة كل عاشقين جمع بينهما فيسبوك والوطن الواحد، وفرقتهم الحدود والجنود، وثمة جنود وحدود من نوع آخر، لم يزل علينا واجب التحرر منهم، فهم والاحتلال واحد!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش