الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ســرّ الأشقر * زياد أبولبن

تم نشره في الجمعة 25 أيار / مايو 2007. 03:00 مـساءً
ســرّ الأشقر * زياد أبولبن

 

 
كان الأشقر حديث أهل حارته ، فقد أسموه الأشقر لشدّة بياضه ، الذي يفوق ما اعتاد الناس أن يروا بياض أو سواد وجههم. يغمض عينيه عندما يتعرض لأشعة الشمس ، فيهزّ رأسه يمينا ويسارا عدّة مرات ، كأنّه يهشّ الذباب عن وجهه ورأسه ، عندما يسير في الطريق أو يسوق بالجهد حماره. نسجت حوله الحكايات الطريفة والنكات التي يتندّر بها أهل حارته مساء في اجتماعاتهم في مجلس أبي حمدان ، حتى أن الناس حمّلوه بعض النكات المنسوبة له ، وهي في الأصل منسوبة إلى جحا ، فاختلط الأمر عليهم ، واختلقوا حوله نكات وطرائف ظنّ البعض أنه أصبح أسطورة عصره ، أو شخصية من تلك الشخصيات التي نقرأ عنها في كتب التراث ، فقد نجده في بخلاء الجاحظ ، أو في الحمقى والمغفلين لابن الجوزي ، وأبعد من ذلك ما يخجل ذكره في عودة الشيخ إلى صباه ، وقد أعجبه ما اختلف الناس عليه ، بل وجد في نفسه هوى ورضا ، فهو أصبح يحمل شهرة تفوق شهرة شعبان عبد الرحيم عند أهل حارته.
تبدأ الأحاديث يقول الأشقر ، وحدّثني الأشقر ، وروي عن الأشقر ، إلى آخره مما يوثّق الرواية ، فيصدّقونها ، وهي تسهم في الضحك ، الذي يتردد في أزقة الحارة ساعات الليل المتأخر ، ولم يقف الحديث عند رجال حارته ، بل شاركت فيه النساء ، وأخذ بعضهن يسترقن السمع لمجالس الرجال ، كي تفوز بخبر تُذيعه بين نساء الحارة ، فيكون لها السبق ، وتستهويهن أحاديث عودة الأشقر إلى صباه ، فتصدر عنهن الغمزات واللمزات والبسمات في لذة تكشف عن تنهيدات الصبايا الناضجات ، في لذّة مخبأة في الصدور. يذكرون ذاك اليوم الذي أعمل فيه الأشقر عصاه ضربا في الحمار ، الذي عانده في المشي ، حتى ضجر الحمار منه ، فالتفت إليه ، ومدّ عنقه إلى أن طال أذنه اليسرى ، فقضمها ، فصرخ الأشقر صرخة دوّت في أركان الحارة ، فأفزعت الناس جميعا ، وخرجوا يركضون في كل اتجاه ، فوجدوه مرميا على الأرض ، تغطي وجهه الدماء ، وهو يصرخ بشدّة ، والحمار ينهق بجانبه ، فأدركوا ما حلّ به ، فحملوه للمستشفى.
كانت أُذن الأشقر حديث الناس لأيام طويلة ، بل أخذ البعض يضيف للرواية حتى غدت أشبه بأسطورة طائر الرّخ ، والأطرف من هذا عندما وقف أبو حمدان أمام أهل الحارة معلنا ترشّحه لمجلس النواب ، فسأله أحد الخبثاء عن رأيه في صندوق النقد الدولي ، فقال إنّه (مشددا على النون) سيعمل على تحطيمه ، ويلقي بألواحه في كل اتجاه ، حيث يصعب على أي أحد منكم يفكر في جمعه مرة ثانية ، فانفجر الناس في الضحك ، ثم سكتوا فجأة إلاّ الأشقر ، الذي استمر بالضحك حتى أسكته أحدهم عنوة ، وفي اليوم الثاني جاء أبو حمدان ليأخذ البيعة من أهل حارته ، فذكّره أحد الخبثاء أن يلقي كلمة قصيرة ، وقبل أن يعلن وقوف الحاضرين دقيقة صمت على أرواح شهداء الأمّة العربية جميعا من الماء إلى الماء ، أرغى أبو حمدان وأزبد في صوت خشن جهور ، فأصدر الأشقر صوتا ممطوطا متكررا ماء .. ماء .. ماء ... ، حتى ضحك الجميع ضحكات مخنوقة. كان يوم الجمعة يوما مختلفا لدى أهل الحارة ، كما أنه مختلف لدى الناس جميعا ، فيه راحة الأسبوع ، من ساعات النوم الطويل ، ومن اجتماع الأسر على الفطور والغداء ، وقراءة الصحف ، ومشاهدة الفضائيات ، لكنّ اختلاف الجمعة تلك لدى أهل الحارة يفوق اختلافها لدى الناس جميعا ، فقد صحوا مبكرين على صوت حمار الأشقر ، الذي ينهق نهيقا مفزعا ، فهو ليس كنهيق الحمير ، بل هو أقرب للنعيق ، أو خليط من الصوتين ، فدبّ الرعب والخوف في قلوبهم ، واستنذروا شرّا لا محالة ، فلم يستطع أحد الاقتراب منه ، بل وقفوا يتدافعون في نظرات استهجان وخوف ، والحمار لم يتوقف عن النهيق ـ النعيب ، ثم فجأة سكت الحمار ، وأخذ يهزّ ذيله ورأسه في حركات شيطانية كما وصفها البعض ، وركض في زقاق الحارة ، والناس يركضون خلفه ، ولم يلحقوا به ، وقد اختفى أثره ، وعاد الناس مسرعين إلى سقيفة الأشقر ، فوجدوه مطروحا على الأرض تغطي جسد العريان دماء متخثرة ، وقد انفلق بطنه ، وخرجت أحشاؤه الممزقة ، عندها أدرك الناس أنّ الحمار قد استوحش ، فقضى عليه.
منذ ذاك اليوم لم يعد أحد يقترب من سقيفة الأشقر ، الذي دفن فيها ، بل ظنّ البعض أنها مسكونة بروح الحمار ، وأرواح أخرى شريرة ، وبقي الناس يتداولون تلك الحادثة أياما وسنين ، حتى أضحت من ذاكرة الحارة المنسية ، ولم يصل أحد إلى تفسير سرّ الأشقر وحماره ، ولكنهم نسجوا حوله خرافات وحكايات توارثوها جيلا بعد جيل.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش