الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هل هي بطولة حقا؟!

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016.
عدد المقالات: 1797
قصة وموقف رقيب السير محمد الهزايمة كشفت عن اغتراب قيمي في مجتمعنا، أو ربما هي كشفت على الأقل عن مجتمع «فيسبوكي» غارق في هذا الاغتراب، حيث أصبحت النخوة الطبيعية الموجودة لدى كل أردني وأردنية قصة تحكى، وسرا يفشى، ثم يصبح أغنية والحبل على الجرار.. فهي قد تصبح رواية ثم مسرحية ومسلسل وفلم سينمائي.. وفي عين الحقيقة نحن أصبحنا الفلم:
الشرطي والعسكري عموما؛ هو أنقى مواطن، ولديه صورة من الحب للوطن والناس نقية، لا يعتريها مصالح ولا امتيازات، بل هو يقدم نفسه كلها للناس وللوطن، فالعسكرية ليست مجرد وظيفة ومهنة، بل هي فداء وتضحية من أجل الوطن والناس والخير والعدالة والحق.. وهذه مفاهيم ومبادىء أساسية في وجدان العسكري، خصوصا العسكري الأردني، فتفكيره ومشاعره انسانية اسلامية قومية..ولا غرابة في ذلك فالجيش مصطفوي وقيمه ومبادؤه كذلك.
قصة الرقيب محمد الهزايمة تحدث على مدار الساعة، ومن قبل الشرطة أنفسهم، فلا أعتقد أن يوما يمر على شرطي ولا يتعرض فيه لاختبار اجتماعي أخلاقي، في واجبه أولا، فهو مواطن يعاني أكثر مما يعانيه الآخرون، بحكم صعوبة وظيفته، وبحكم حجم القوانين والتعليمات التي يلتزم بها، وبحكم «ضيق خلق الناس» بسبب صعوبة الظروف والحياة، فالشرطي يتعرض لكل هذه الضغوط على مدار الساعة، وفي الوقت نفسه يقوم بواجبه، ويشعر بأنه الحامي بل الأب لهذا المجتمع يحميه ويتناسى همومه ومعاناته الشخصية، بسبب التزامه وانضباطه العسكري من جهة، وبسبب قناعته بأنه يمثل الحق والقانون والعدالة والخير ومطلوب منه أن يكون قدوة في كل شيء.. فقصة الهزايمة هي قصة يومية بهذا المعنى مع اختلاف التفاصيل بين موقف وآخر، فكلهم قرروا منح أرواحهم فداء للوطن ولأهله وليس دعوة زملائهم وأنفسهم لمجرد التبرع بالدم، او التراجع عن مخالفة مواطن يقع تحت ضغوطات ما.
لا نقلل مما قام به الرقيب الهزايمة؛ بل نعتز به، لكننا في مجتمع يعتبر مساعدة الآخرين مبدأ للتعامل بين البشر، وليس غريبا أن يقوم الأردني بمساعدة أخيه أو أي إنسان آخر يستحق المساعدة، والنخوة في نفوسنا باقية وأصيلة ولا نتعلمها اليوم، بل هي من أهم ما يميز رصيدنا الفكري والثقافي والأخلاقي، وأستغرب أن يتغنى بعضهم بما قام به الهزايمة وكأنه موقف غريب على الأردنيين والعسكر! هل نحن مجتمع خال من القيم والأخلاق والنخوة والشهامة والفروسية وحب الناس والوقوف معهم؟ حتى في المجتمعات التي تسود فيها القوانين والاختصاص، ثمة مساحة للعمل الانساني الطبيعي، فالناس ليسوا آلات بل هم بشر يتمتعون بمشاعر هي التي تميزهم عن سائر الكائنات..
في تضخيم الحديث عن قصة الهزايمة وشاية عن استغراب المتحدث بأن المجتمع الأردني لا يعرف النخوة والانسانية والأخلاق الحميدة، فيضخم موقفا أردنيا عاديا يقوم به كل الشرطة وكل الناس !
أحيي الرقيب الهزايمة على قيامه بواجبه تجاه مواطن أردني، ولو لم يقم به على هذه الصورة لاعتبرته مخفقا، فهو عسكري أردني قدوة في الانضباط وفي التضحية وفي الصبر على الصعوبات .. العسكري هو البطل في أي مجتمع يحترم نفسه وجنوده، وروح الجندية والالتزام تدفع كل العسكر ليسهروا على راحة الناس وأمنهم وسلامتهم ..وهذا ما يجب أن يفهمه الذين يتغنون بموقف يومي بسيط هو أقل من عادي لدى الجنود الأردنيين، لكنهم ربما ضخموه لأنهم لا يدركون ما معنى العسكرية..
كلنا نعيش براحة وأمن وحرية و «عربدة أحيانا»، ولا نقدر أو نتذكر بأن إخوتنا في العسكرية هم من وفروا لنا هذا، ولو تركونا «لعربدتنا» ومزاجنا، لانقلبت المفاهيم ولأصبح طرح السلام والرد عليه بنظر هؤلاء بطولة .. يلزمكم أن تعلموا وتفهموا ما هي العسكرية وما هي أخلاقياتها ومبادؤها وعقيدتها، وهذا فعل اعلامي مطلوب الحديث عنه دوما، لأن العسكرية وأخلاقياتها هي أسمى ما تبقى لنا في زمن العواصف الجامحة عن كل بديهية في حياة الأردنيين وغيرهم.
رصيدنا هو قيم واخلاق سليمة، امتاز بها الأردن ونظامه السياسي والتزم بها على امتداد عمر الدولة الأردنية الذي اصبح قرنا من الزمان الصعب، كان العسكر هم أبطاله وهم بناته وحماته، وحين نقول عاش العسكر فنحن نقول عاش الأردن وعاشت الأخلاق والقيم النبيلة.
ibqaisi@gmail.com
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش